[لا بأس بإساءة الظن مع وجود القرائن بأهل الريبة...
لا بأس بإساءة الظن مع وجود القرائن بأهل الريبة ويدخل في هذا الكفار وأهل الأهواء والبدع من باب أولى وأحرى [1 ]
قال العلامة المفسر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي كما في "أضواء البيان": قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}، يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين، وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب؛ لأن كون القميص مشقوقاً من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها، وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [12/18]؛ لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة؛ ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب.
ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص، فقال: سبحان الله! متى كان الذئب حليماً كيساً يقتل يوسف ولا يشق قميصه. ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [12/18].
وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن.
ومن أمثلة الحكم بالقرينة: الرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها سابقاً؛ فتزفها إليه ولائد لا يثبت بشهادتهن أن هذه هي فلانة التي وقع عليها العقد؛ فيجوز له جماعها من غير احتياج إلى بينة تشهد على عينها أنها هي التي وقع العقد عليها؛ اعتماداً على قرينة النكاح.
وكالرجل ينزل ضيفاً عند قوم، فتأتيه الوليدة أو الغلام بالطعام؛ فيجوز له الأكل من غير احتياج إلى ما يثبت إذن مالك الطعام له في الأكل، اعتماداً على القرينة.
وكقول مالك، ومن وافقه: إن من شم في فيه ريح الخمر يحد حد الشارب، اعتماداً على القرينة؛ لأن وجود ريحها في فيه قرينة على أنه شربها، وكمسائل اللوث وغير ذلك.
وقد قدمنا في "سورة المائدة "صحة الاحتجاج بمثل هذه القرائن، وأوضحنا بالأدلة القرآنية، أن التحقيق أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرع لنا، إلا بدليل على النسخ غاية الإيضاح، والعلم عند الله تعالى.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [12/18]: استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه، كالقسامة وغيرها. وأجمعوا على أن يعقوب عليه السلام استدل على كذبهم بصحة القميص. وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها، قاله ابن العربي. اهـ كلام القرطبي.
وفي "سبل السلام" للأمير الصنعاني لما أخذ رحمه الله يتكلم على حديث أبي هريرة (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) قال:
" .. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادُ التُّهْمَةُ، وَمَحَلُّ التَّحْذِيرِ وَالنَّهْيِ إنَّمَا هُوَ عَنْ التُّهْمَةِ الَّتِي لَا سَبَبَ لِمَا يُوجِبُهَا؛ كَمَنْ اُتُّهِمَ بِالْفَاحِشَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْمُرَادُ التَّحْذِيرُ مِنْ تَحْقِيقِ التُّهْمَةِ ، وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا وَتَقَرُّرِهَا فِي النَّفْسِ دُونَ مَا يَعْرِضُ وَلَا يَسْتَقِرُّ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُكَلَّفُ بِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ { تَجَاوَزَ اللَّهُ عَمَّا تَحَدَّثَتْ بِهِ الْأُمَّةُ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ } وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ سُفْيَانَ ، وَالْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَتْمٌ وَلَا فُحْشٌ وَلَا فُجُورٌ وَيُقَيِّدُ إطْلَاقَهُ حَدِيثُ { احْتَرِسُوا مِنْ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ } أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالْعَسْكَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ بَقِيَّةُ وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا : يَحْرُمُ سُوءُ الظَّنِّ .اهـ
قلتُ: وللإشارة أُنبِّه هنا على أن حديث "احترسوا من الناس بسوء الظن" المذكور أعلاه؛ ضعفه العلامة المحدث الفقيه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني فقد قال كما في "السلسلة الضعيفة" ( 1 / 288 ) :
"ضعيف جدا ...".اهـ
وقد أفاض –رحمه الله- في بيان علة ضعفه فليرجع إليه، وقال آخر تحقيقه لهذا الحديث في الموضع المشار إليه:
" ثم إن الحديث منكر عندي لمخالفته للأحاديث الكثيرة التي يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها المسلمين بأن لا يسيئوا الظن بإخوانهم ، منها قوله صلى الله عليه وسلم : " إياكم و الظن فإن الظن أكذب الحديث ... " رواه البخاري ( 10 / 395 - 398 ) وغيره ، و هو مخرج في " غاية المرام " ( 417 ) .
ثم إنه لا يمكن التعامل مع الناس على أساس سوء الظن بهم ، فكيف يعقل أن يأمر صلى الله عليه وسلم أمته أن يتعاملوا على هذا الأساس الباطل ؟!"اهـ.
وقال العلامة ابن سعدي في تفسيره "تيسير الكريم الرحمن .." وهو يذكر العبر والفوائد من سورة يوسف:
" ومنها: أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم، فإن يعقوب قال لأولاده بعد ما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشد المعالجة، ثم قال لهم بعد ما أتوه، وزعموا أن الذئب أكله { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } وقال لهم في الأخ الآخر: { هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ } ثم لما احتبسه يوسف عنده، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم: { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } فهم في الأخيرة - وإن لم يكونوا مفرطين - فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال، من غير إثم عليه ولا حرج.اهـ.
وفي تفسير سورة الحجرات للعلامة الفقيه ابن عثيمين رحمه الله:
" وهنا يقول - عز وجل -: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن }، الظن: هو أن يكون لدى الإنسان احتمالان يترجح أحدهما على الآخر، وهنا عبر الله تعالى بقوله: {كثيراً من الظن } ولم يقل: اجتنبوا الظن كله، لأن الظن ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ظن خير بالإنسان، وهذا مطلوب أن تظن بإخوانك خيراً ماداموا أهلاً لذلك، وهو المسلم الذي ظاهره العدالة، فإن هذا يُظن به خيراً، ويُثنى عليه بما ظهر لنا من إسلامه وأعماله.
القسم الثاني: ظن السوء، وهذا يحرم بالنسبة لمسلم ظاهره العدالة، فإنه لا يحل أن يظن به ظن السوء، كما صرح بذلك العلماء، فقالوا - رحمهم الله -: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة. أما ظن السوء بمن قامت القرينة على أنه أهل لذلك، فهذا لا حرج على الإنسان أن يظن السوء به، ولهذا من الأمثال المضروبة السائرة: (احترسوا من الناس بسوء الظن)، ولكن هذا ليس على إطلاقه، كما هو معلوم، وإنما المراد: احترسوا من الناس الذين هم أهل لظن السوء فلا تثقوا بهم، والإنسان لابد أن يقع في قلبه شيء من الظن بأحد من الناس لقرائن تحتف بذلك، إما لظهور علامة في وجهه، بحيث يظهر من وجهه العبوس والكراهية في مقابلتك وما أشبه ذلك، أو من أحواله التي يعرفها الإنسان منه أو من أقواله التي تصدر منه فيظن به ظن السوء، فهذه إذا قامت القرينة على وجوده فلا حرج على الإنسان أن يظن به ظن السوء.اهـ
وقال في تفسير سورة النجم : {إن يتبعون إلا الظن} يعني ما يتبعون إلا الظن، والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من أحد الاحتمالين، وانتبه لهذا فالظن يأتي بمعنى التهمة، ويأتي بمعنى رجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين. قال الله تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} والمراد: اليقين ولا يكفي الظن في اليوم الآخر، بل لابد تيقن، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب () » والتحري هنا يعني هو الظن الغالب.
{وإن هم إلا يظنون } ظن الاتهام يعني يظنون ظنًّا، هو وهم، ليس له أصل، وبعض العلماء أخذ من هذه الآية أنه لا يجوز العمل بالظن في المسائل الفقهية وغيرها، وهذا خطأ، لأن كثيراً من المسائل الفقهية ظنية: إما لخفاء الدليل، أو خفاء الدلالة: ليس كل مسألة في الفقه يقول بها الإنسان على سبيل اليقين أبداً، بل بعضها يقين وبعضها ظن، والظن إذا تعذر اليقين مما أحل الله، ومن نعمة الله أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، فليس كل ظن منكراً، لكن الظن الذي ليس له أصل يبنى عليه منكر. فهؤلاء الذين سموا الملائكة تسمية الأنثى لا علم لهم بذلك بل هو ظن مبني على وهم، وربما يكون مبنياً على أهواء، يعني لم يطرأ على بالهم أنهم إناث، ولكن تبعوا آباءهم {وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً } أي: هذا الظن المبني على الوهم لا على القرائن لا يغني من الحق شيئاً، أي لا يفيد شيئاً من الحق، لأنه وهم باطل، والوهم الباطل لا يمكن أن يفيد ..." اهـ
وقال أيضًا (تفسير سورة التكوير) : {بضنين} بالضاد أي ببخيل، فهو عليه الصلاة والسلام ليس بمتهم في الوحي ولا باخل به، بل هو أشد الناس بذلاً لما أوحي إليه، يُعَلم الناس في كل مناسبة، وهو أبعد الناس عن التهمة لكمال صدقه عليه الصلاة والسلام، وفي قراءة {بظنين} بالظاء المشالة، أي: بمتهم، من الظن وهو التهمة.اهـ
وقال في تفسير سورة البينة: {أولئك هم شر البرية} أي شر الخليقة؛ لأن البرية هي الخليقة، وعلى هذا فيكون الكفار من بني آدم من (اليهود والنصارى والمشركين) شر البرية (شر الخلائق)
وقد بين الله ذلك تماماً في قوله: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون} [الأنفال: 55]. وقال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 22]. فهؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين هم شر البرية عند الله عز وجل، وإذا كانوا هم شر البرية فلن نتوقع منهم إلا كل شر، لأن الشرير ينبثق منه الشر، ولا يمكن أبداً أن نحسن الظن بهم، قد نثق بالصادقين منهم كما وثق النبي صلى الله عليه وسلّم بالمشرك، عبد الله بن أريقط، حين استأجره ليدله على طريق الهجرة، لكن غالبهم وجمهورهم لا يوثق منهم، لأنهم شر .اهـ
هل يجوز إحسان الظن بالمبتدعة وأهل الريبة ؟
إحسان الظن بالمسلم مسألة معروفة قد حث عليها الشرع المطهر ، و في الوقت نفسه حرم سوء الظن .
و حديثي عن حكم إساءة الظن ببعض المسلمين من أهل البدع و مروجي الدعارة و الفجور و غيرهم.
و لنتأمل قول الله تبارك و تعالى في سورة الحجرات : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ ) .
* قال المفسر الشهير ابن كثير رحمه الله في تفسيره : " يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله
لأن بعض ذلك يكون إثما محضا فليجتنب كثير منه احتياطا
وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا وأنت تجد لها في الخير محملا " . انتهى
* قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره : " القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } يقول تعالى ذكره :
يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله , لا تقربوا كثيرا من الظن بالمؤمنين , وذلك أن تظنوا بهم سوءا , فإن الظان غير محق ,
وقال جل ثناؤه : { اجتنبوا كثيرا من الظن } ولم يقل : الظن كله , إذ كان قد أذن للمؤمنين أن يظن بعضهم ببعض الخير , فقال : { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين } 24 12
فأذن الله جل ثناؤه للمؤمنين أن يظن بعضهم ببعض الخير وأن يقولوه , وإن لم يكونوا من قيله فيهم على يقين .
وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
24575 - حدثني علي , قال : ثني أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } يقول : نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن شرا .
وقوله : { إن بعض الظن إثم } يقول : إن ظن المؤمن بالمؤمن الشر لا الخير إثم ; لأن الله قد نهاه عنه , ففعل ما نهى الله عنه إثم " . انتهى
* قال القرطبي رحمه الله في تفسيره بعدما ذكر قصة في سبب النزول : " ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا) لفظ البخاري .
قال علماؤنا : فالظن هنا وفي الآية هو التهمة .
ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها , كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك .
ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى : " ولا تجسسوا " وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه , ويتبصر ويستمع لتحقيق ما وقع له من تلك التهمة . فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك .
وإن شئت قلت : والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها , أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب .
وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح , وأونست منه الأمانة في الظاهر , فظن الفساد به والخيانة محرم ,
بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث ".
ثم قال القرطبي رحمه الله : " وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء ) .
وعن الحسن : كنا في زمن الظن بالناس فيه حرام , وأنت اليوم في زمن اعمل واسكت وظن في الناس ما شئت
وللظن حالتان :
حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم بها , وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن , كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات .
والحالة الثانية : أن يقع في النفس شيء من غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده , فهذا هو الشك , فلا يجوز الحكم به , وهو المنهي عنه على ما قررناه آنفا .
وقد أنكرت جماعة من المبتدعة تعبد الله بالظن وجواز العمل به , تحكما في الدين ودعوى في المعقول . وليس في ذلك أصل يعول عليه , فإن البارئ تعالى لم يذم جميعه , وإنما أورد الذم في بعضه .
وربما تعلقوا بحديث أبي هريرة ( إياكم والظن ) فإن هذا لا حجة فيه ;
لأن الظن في الشريعة قسمان : محمود ومذموم ,
فالمحمود منه ما سلم معه دين الظان والمظنون به عند بلوغه . والمذموم ضده ,
بدلالة قوله تعالى : " إن بعض الظن إثم " ,
وقوله : " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " [ النور : 12 ] ,
وقوله : " وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا " [ الفتح : 12 ]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أحدكم مادحا أخاه فليقل أحسب كذا ولا أزكي على الله أحدا ) .
وقال : ( إذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض ) خرجه أبو داود .
وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز , وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح , قاله المهدوي " . انتهى
فتبين مما سبق أن إحسان الظن بأهل الإيمان و بمن لم يُعرف عنه فجور و لا بدع من الأمور المتقررة في الشريعة ، بل إساءة الظن بهم من المحرمات .
لذلك قال ابن مفلح المقدسي رحمه الله في الآداب الشرعية ج 1 ، ص 89 : " و كذلك سوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة محظور" انتهى
أما مَن ظهر منه فجور و بدع و غيرهما فلا يجب إحسان الظن به و تسويته بمن ذكرنا آنفاً .
قال ابن مفلح المقدسي في الآداب الشرعية ج 1 ، ص 88 : " قَال في (نهاية المبتدئ) : حُسنُ الظّنِّ بأهل الدّينِ حَسَنٌ ، ظاهرُ هذا أَنّه لا يجب ،
و ظاهره أَيضا أَنّ حسنَ الظّنِّ بأهلِ الشّرِّ ليس بحسَنٍ ، فظاهرهُ لا يَحْرُمُ ) انتهى
ولنتدبر سوية موقفاً من مواقف سلفنا الصالح يوضح إساءتهم الظن بأهل البدع والضلالة :
قال علي بن أبي خالد:
قلت لأحمد بن حنبل: إنّ هذا الشيخ – لشيخ حضر معنا – هو جاري، وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك فيه: حارث القصير – يعني حارثاً المحاسبي – وكنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة، فقلت لي: لا تجالسه، فما تقول فيه؟
فرأيت أحمد قد احمرّ لونه، وانتفخت أوداجه وعيناه، وما رأيته هكذا قط، ثم جعل ينتفض، ويقول:
ذاك؟
فعل الله به وفعل، ليس يعرف ذاك إلا من خَبَره وعرفه، أوّيه، أوّيه، أوّيه،
ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره وعرفه،
ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان ،فأخرجهم إلى رأي جهم، هلكوا بسببه.
فقال له الشيخ: يا أبا عبد الله، يروي الحديث ، ساكنٌ خاشعٌ ، من قصته ومن قصته؟
فغضب أبو عبد الله، وجعل يقول: لا يغرّك خشوعه ولِينه، ويقول: لا تغتر بتنكيس رأسه، فإنه رجل سـوء ذاك لا يعرفه إلا مـن خبره، لا تكلمه، ولا كرامة له، كل من حدّث بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مبتدعاً تجلس إليه؟!
لا، ولا كرامة ولا نُعْمَى عين، وجعل يقول: ذاك، ذاك. [طبقات الحنابلة ( 1/234)]
رحم الله الإمام أحمد بن حنبل فلله دره وعليه أجره
ولما قال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه ( حلية طالب العلم ) ص51 ما نصه : ( 6- إساءة الظن بالنفس ، و إحسانه بالناس ) .
تعقبه الشيخ العلامة محمد صالح العثيمين رحمه الله بقوله : " أما قوله : ( إحسانه بالناس ) فهذا يحتاج إلى تفصيل ،
الأصل إحسان الظن بالناس
و إنك متى وجدت محملا حسنا لكلام غيرك فاحمله عليه و لا تسئ الظن ،
لكن إذا عُلم عن شخص من الناس أنه محل لإساءة الظن ، فهنا لا حَرج أن تُسـيئ الظن من أجل أن تحترس منه لأنك لو أحسنت الظن به لأفضت إليه كل ما في صدرك ، و لكن ليس الأمر كذلك . " انتهى
و تأمل ما قاله باز السنة - أدخله ربي الجنة – في جوابه عن السؤال التالي :
السؤال : هل يحاسب الإنسان على سوء ظنه وعدم ثقته بالناس؛ لأننا في زمن لا نستطيع أن نثق كثيراً بمن حولنا، وكذلك الظروف المحيطة بنا تجعلنا نسيء الظن بالجميع، فهل يؤاخذنا الله على سوء الظن؟
فأجاب رحمه الله : " يقول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ).
فأمر سبحانه باجتناب الكثير لا كل الظن، وقال : إن بعض الظن إثم، ولم يقل إن كل الظن إثم.
فدل ذلك على جواز الظن السيء إذا ظهرت أماراته، رؤيت دلائله الذي يقف مواقف التهم يظن به السوء،
والمرأة التي تخلو بالرجل يظن بها السوء،
والتي تغازل الرجال فيما يتعلق بالزنا والزيارات بينها وبين الرجل متهمة بالسوء،
وهكذا من أظهر أعمالاً تدل على قبح عمله يتهم.
أما إساءة الظن بدون سبب فلا تجوز، لا يجوز للمسلم أن يسيء الظن بأخيه بدون علة، بدون سبب، ولا بأخته في الله بدون سبب، وهذا معنى: (اجتنبوا كثيراً من الظن)، وهو الظن الذي لا سبب له ، ولا موجب له، فهذا حرام لا يجوز،
وعلى هذا الملأ يعمل بالحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكثر الحديث)، يعني الظن الذي لا سبب له، ولا موجب له، بل يظن بغير تهمة، بغير سبب ظالم، مخطئ، لا يجوز،
أما إذا كان ظن له أسباب فلا حرج فيه" .
المصدر : موقع الشيخ رحمه الله
http://www.binbaz.org.sa/mat/17856
و قد سئل أيضاً : يصور نفسه-سماحة الشيخ- بأنه سيء الظن بكثير من الناس بما تنصحونه؟
فأجاب غفر الله له : " يقول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)
ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) متفق على صحته،
فالواجب عليك أيها السائل أن تتقي الله وأن لا تسيء الظن بالناس إلا بشروط، بأسباب،
أما سوء الظن مطلقاً فهذا غلط وليس لك ذلك (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)
لكن من ثبت لديك بالبينة العادلة أو بالمشاهدة أنه يقف موقف التهم، ويجلس مجالس التهم، هذا هو محل سوء الظن،
وإلا فاتق الله، واحذر سوء الظن في الناس وعليك بحملهم على أحسن المحامل ما لم تجد خلاف ذلك، ما لم تعلم خلاف ذلك...." .
المصدر : موقع الشيخ رحمه الله
http://www.binbaz.org.sa/mat/19961
قال ابن مفلح المقدسي رحمه الله في الآداب الشرعية ج 1 ، ص 89-90 (و قال ابن هُبَيْرَة الوزير الحنبلي : لا يَحِلُّ و اللَّه أنْ يُحْسن الظَّنّ بِمَن تَرفض ولا بِمَنْ يُخالِف الشَّرْعَ في حَال ) انتهى
و مراده ( بِمَنْ يُخالِف الشَّرْعَ ) أهل الباطل و الله أعلم .
و على هذا سار السلف الصلح في التعامل مع أهل الباطل و الزيغ ، و عباراتهم التي تدل على إساءتهم الظن بأؤلئك أشهر من أن تُذكر و أكثر من أن تُحصر منها :
• قال الإمام الأوزاعي رحمه الله : " اتقوا الله معشر المسلمين، واقبلوا نصح الناصحين، وعظة الواعظين، واعلموا أن هذا العلم دين فانظروا ما تصنعون وعمن تأخذون وبمن تقتدون ومن على دينكم تأمنون؛
فإن أهل البدع كلهم مبطلون أفّاكون آثمون لا يرعوون ولا ينظرون ولا يتقون.
إلى أن قال:
فكونوا لهم حذرين متهمين رافضين مجانبين، فإن علماءكم الأولين ومن صلح من المتأخرين كذلك كانوا يفعلون ويأمرون ". [تاريخ دمشق ( 6/362 )]
• قال مفضل بن مهلهل رحمه الله : " لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته حذرته وفررت منه، ولكنه يحدثك بأحاديث السنّة في بدو مجلسه ثم يدخل عليـك بدعته فلعلها تلزم قلبك فمتى تخرج من قلبك ". [الإبانة (2/444 )]
الله أكبر
• وعن أبي قلابة قال: (( لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما تعرفون )) [سنن الدارمي (1/120)،شرح السنة للالكائي (1/134)،والسنة لعبدالله بن أحمد (1/137)،والإبانة لابن بطة( 2/435 ) ]
ولا تستغربوا إن خرج قزم مميع فقال : هذا رأي أبي قلابة فلا يلزمني ، كونه لا يأمنهم هذه مشكلته ، أما أنا فآمنهم
• وعـن عمرو بن قيس الملائي قال: (( لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك )) [الإبانة ( 2/436 ) ]
• وقال إسماعيل بن عبيد الله: (( لا تجالس ذا بدعة فيمرض قلبك ، ولا تجالس مفتوناً فإنه ملقّن حجته )) [الإبانة ( 2/443 ) ]
• "ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين،
فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟
قال: لا.
قالا: فنقرأ عليك آية؟
قال: لا، لتقومان عني، أو لأقومنّه!
فقاما،
فقال بعض القوم: يا أبا بكر! وما عليك أن يقرآ عليك آية؟
قال: خشيت أن يقرآ آية يحرفانها، فيقر ذلك في قلبي" [سير أعلام النبلاء (11/285)].
الله أكبر
و أختم هذه النقول بما قاله الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى : " ينبغي لكل من تمسك بما رسمناه في كتابنا هذا، وهو كتـاب الشريعة، أن يهجـر جميع أهل الأهواء من الخوارج، والقدرية، والمرجئة، والجهمية، وكل من ينسب إلى المعتزلة، وجميع الروافض، وجميع النواصب، وكل من نسبه أئمـة المسلمين أنه مبتـدع بدعة ضلالة، وصح عنه ذلك، فلا ينبغي أن يكلم ولا يسلم عليه، ولا يجالس، ولا يصلى خلفه، ولا يزوج، ولا يتزوج إليه من عرفه، ولا يشاركه، ولا يعامله، ولا يناظره، ولا يجادله، بل يُذله بالهوان له، وإذا لقيته في طريق أخذت في غيرها إن أمكنك.
فإن قال: فلم لا أناظره، وأجادله، وأرد عليه قوله؟
قيل له: لا يُؤمَن عليك أن تناظره، وتسمع منه كلاماً يفسد عليك قلبك، ويخدعك بباطله الذي زيّن له الشيطان فتهلك أنت، إلا أن يضطرك الأمر إلى مناظرته، وإثبات الحجة عليه، بحضرة سلطان أو ما أشبهه، لإثبات الحجة عليه، فأما لغير ذلك فلا.وهذا الذي ذكرته لك، فقول من تقدم من أئمة المسلمين، وموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " [الشريعة ( 3/574 )].
والحمد لله رب العالمين]