تحذير ذوي الألباب من تعليقٍ لمحمد عيد عباسي فيه إساءةٌ للأصحاب -رضي الله عنهم-
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن وآلاه وبعدُ:
اطلعتُ على كتاب أصول السنة للإمام أحمد رواية عبدوس, تحقيق وتعليق كل من:
الشيخ الوليد بن محمد بن سيف النصر, وتقديم وتعليق أيضاً: للشيخ محمد عيد عباسي.
وكان هذا حال قراءتنا فيه على يدِ شيخنا عبيد الجابري -وفقه الله وحفظه- وذلك عام 1425هـ.
وحال قراءتنا هذه الرسالة الطيبة النافعة في اعتقاد أهل السنة والجماعة وقمع البدعة وأهلها, إذ يستوقفنا وشيخنا كلامٌ لمحمد عيد عباسي في غاية من السقوط والبُعد عن الحق!!قال شيخنا الجابري عند قوله: "فيه نظر!" قال "كلامه فيه نظر"
وأُوردُ هنا كلام الإمام المبجل أحمد بن حنبل ثم أورد تعليق المعلق ونظره!!
قال الإمام أحمد -رحمه الله-:" ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم القرن الذي بعث فيهم كل من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة ورآه فهو من أصحابه له الصحبة على قدر ما صحبه وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه نظر فأدناهم صحبة أفضل من القرن الذي لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال كان هؤلاء الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه وسمعوا منه أفضل لصحبتهم من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير" أصول السنة (ص62-64).
قال محمد عيد عباسي معلقاً على هذا الكلام المتين:
" دليله قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ....}التوبة100, وقوله عليه السلام: (لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري [3673], ومسلم [2541], كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً.
قلتُ: يبدوا لي أن المراد بقوله (أصحابي): الملازمون له -صلى الله عليه وسلم-, والمشهورون بحسن صحبته!!, لا من لقيه مجرد لقاء!!, أو لفترة قصيرة ولم يشتهر!!, ويدلُ على ذلك أن قوله (لا تسبوا أصحابي) موجه لعامة أصحابه ممن يطلق عليه اصطلاحاً لفظ الصحبة!!!!, ممن كان في زمنه!!, ولمن يأتي بعد ذلك, فهو يوصيهم بمعرفة حق خواص أصحابه ممن لازمه وكانت لديه به صلة قوية به -صلى الله عليه وسلم- والله أعلم".
وعلَّق ثانيةً بقوله!!!: " فيه نظر!!, كما أن فيه تفصيلاً, فمما لا شك فيه!! أن للصحبة فضلاً معيناً بحسب طولها, وحسن بلاء المرء فيها, ثم يكون الفضل بالإيمان والأعمال, فقد يكون بعض التابعين, أو أتباعهم, أو من جاء بعدهم أفضل من بعض الصحابة!!!!, كما أن من أدرك زمان الفتن العظيمة, وثبت فيها وصبر له أجرٌ أعظم, من أجر عددٍ من شهداء الصحابة, كما يدلُ عليه قوله -صلى الله عليه وسلم- (إن ورائكم أيام الصبر, للصابر فيها أجر مئة أو خمسين شهيداً, قالوا: منا أو منهم؟ قال: بل منكم), قال في رواية: (لأنكم تجدون على الحق أنصاراً ولا يجدون على الحق أنصاراً) رواه الطبراني, وأورده أستاذنا الألباني في الصحيحة (994), وصحيح الجامع (2234). قلتُ: فحديث (خير الناس قرني), وأمثاله يفيد التفضيل الإجمالي!!, لا التفضيل الفردي!!!!, والله أعلم. انظر: رسالة المفاضلة بين الصحابة للإمام ابن حزم, تحقيق الاستاذ/ سعيد الأفغاني, وهي جزء من كتابه القيم (الفصل في الملل والأهواء والنحل) اهـ".
والتعليقان فيهما خلطٌ بين الحق والباطل:
الوقفة الأولى: جعل (العباسي) الصحبة قسمان: صحبة اصطلاحية لغوية وصحبة شرعية(!!)
وهذا التقسيم السقيم؟!!! لا دليلَ عليه البتة! بل هو تعنُّتٌ ومخالفٌ لتقريرات أكابر علماء السلف, والسؤال الذي يطرح نفسه: أولاً من سبقك من أهل السنة! إلى هذا الاعتراض على كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة؟!
أما الجواب الذي لا محيد عنه: لا أحد إلا أنت وأمثالك من أمثال عدنان عرعور فإني قد سمعتُ هذا التقسيم منه فما أدري من الذي تقيأها الأول!!
وكلامك هذا يذكرني بكلام حسن بن فرحان المالكي الذي ردِّ عليه شيخنا عبدالمحسن العبَّاد البدر -حفظه الله- حيثُ قال: " قد يقول البعض: ما دام أنَّ اللغة واسعةٌ ويجوز فيها أن تطلق الصحابي أو الصاحب على من صحب ولو صحبة يسيرة، فلماذا التضييق في الأمر؟
الجواب: نحن للأسف تجاوزنا مسألة اللغة نفسها، فأصبحنا نطلق الصاحب على من رأى وليس على من صحب، فهذا أوَّلاً.
ثانياً: سبق أن كرَّرنا أننا لا نُمانع من إطلاق الصحبة إذا أريد بها مطلق الصحبة، لكن هذا الإطلاق جائز في الكفَّار والمنافقين أيضاً، بمعنى أنَّ المنافقين يدخلون في الصحبة من حيث اللغة كما أنَّ الكفَّار يدخلون كذلك، فاللغة تحتمل ذلك، ولذلك نحن ذكرنا أنَّ الصُّحبةَ الشرعيَّة فقط هي التي تقول: إنَّه لا يجوز أن تطلق على المسلمين بعد فتح مكة حتى ولو رأوا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وصَحبوه؛ لأنَّهم وإن كانوا صحابة لغة، وقد يكون بعضُهم صحابةً من حيث العُرف، لكنَّهم ليسوا صحابةً من الناحية الشرعية!!)). [الصحابة بين الصحبة اللغوية والصحبة الشرعية ص56].
الوقفة الثانية: ماذا تريد يا (عباسي) بقولك: عند قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تسبوا أصحابي)) إن المقصود به: "المشهورون بحسن صحبته!!, لا من لقيه مجرد لقاء!!, أو لفترة قصيرة ولم يشتهر!!".
هل تريد من هذا أن من عُرف بملازمته -صلى الله عليه وسلم- واشتهرت صحبته له هو الذي لا يُسب؟! أما غيره فيجوز سبُه؟! وهذا يؤكده قولك: ((موجه لعامة أصحابه ممن يطلق عليه اصطلاحاً لفظ الصحبة!!!!, ممن كان في زمنه!!, ولمن يأتي بعد ذلك, فهو يوصيهم بمعرفة حق خواص أصحابه ممن لازمه وكانت لديه به صلة قوية به -صلى الله عليه وسلم-)).
انظركيف أن السلف وعلى رأسهم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهم أنفسهم كانوا يفهمون عموم الدليل ولا يحتاجون إلى تخصيصه بأحدٍ دون أحد, لأنهم كانوا يعلمون أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, كما سيأتي بيانه.
قال ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: " لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره". السنة لان أبي عاصم (1006).
وقال ابن عباس -رضي الله عنها- : " لا تسبوا أصحاب محمدٍ؛ فإن الله أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون". أورده ابن بطة ( القرطبي في تفسيره (18/33).
وهذان الأثران دليلٌ على أن ابن عمر وابن عباس-رضي الله عنهم- فهموا عموم قول النبي-صلى الله عليه وسلم-:((لا تسبوا أصحابي)), واعتبروا عموم اللفظ لا خصوص السبب.
وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: " في الحديث الصحيح: (لا تسبوا أصحابي) يقتضي تحريم سبهم, مع أن الأمر بالاستغفار للمؤمنين والنهي عن سبهم عام" منهاج السنة (5/234).
وقال -رحمه الله-موضحاً عمومه أيضاً: (( ومِمَّا يبيِّن أنَّ الصحبة فيها خصوصٌ وعمومٌ، كالولاية والمحبة والإيمان وغير ذلك من الصفات التي يتفاضلُ فيها الناسُ في قَدْرِها ونَوعِها وصِفَتِها، ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبدالرحمن بن عوف شيء، فسبَّه خالد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (لا تسُبُّوا أحداً من أصحابي؛ فإنَّ أحدَكم لو أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)، انفرد مسلمٌ بذكر خالد وعبدالرحمن دون البخاري، فالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقول لخالد ونحوه: (لا تسُبُّوا أصحابي)، يعني عبدالرحمن بن عوف وأمثاله؛ لأنَّ عبد الرحمن ونحوَه هم السابقون الأوَّلون، وهم الذين أسلموا قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهلُ بيعة الرضوان، فهؤلاء أفضلُ وأخصُّ بصحبته مِمَّن أسلَم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أهلَ مكة، ومنهم خالد وعمرو بن العاص وعثمان ابن أبي طلحة وأمثالهم، وهؤلاء أسبق من الذين تأخَّر إسلامُهم إلى أن فُتحت مكة وسُمُّوا الطُّلَقاء مثل سُهيل بن عمرو والحارث بن هشام وأبي سفيان بن حرب وابنيه يزيد ومعاوية وأبي سفيان بن الحارث وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وغيرهم، مع أنَّه قد يكون في هؤلاء مَن برز بعلمِه على بعض مَن تَقَدَّمه كثيراً، كالحارث بن هشام وأبي سفيان بن الحارث وسُهيل بن عمرو، وعلى بعض مَن أسلم قبلهم مِمَّن أسلم قبل الفتح وقاتل، وكما برز عمر بنُ الخطاب على أكثر الذين أسلموا قبله.
والمقصود هنا أنَّه نَهْيٌ لِمَن صحِبَه آخراً أن يسبَّ مَن صحبه أوَّلاً؛ لامتيازهم عنهم في الصحبة بِما لا يمكن أن يشركهم فيه، حتى قال: لو أنفق أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه.
فإذا كان هذا حالُ الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا، وهم من أصحابه التابعين للسابقين، مع من أسلم من قبل الفتح وقاتل، وهم أصحابُه السابقون، فكيف يكون حالُ مَن ليس من أصحابه بحال مع أصحابه؟!!)). منهاج السنة (8/431 ـ 433).
وقد استدل الحافظ العراقي -رحمه الله- على تعديل الصحابة بأجمعهم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)).
قال العلاَّمة راغب الطباخ -رحمه الله- في رد اعتراض من اعترض على الحافظ العراقي على استدلاله بهذا الحديث على تعديل الصحابة أجمعين: " اعترض على المصنف في استدلاله بحديث أبى سعيد وذلك لأنه قاله النبي -صلى الله عليه و سلم- لخالد بن الوليد لما تقاول هو وعبد الرحمن ابن عوف, أي: أنه أراد بذلك صحبة خاصة, والجواب: أنه لا يلزم من كونه ورد على سبب خاص في شخص معين أنه لا يعم جميع أصحابه, ولا شك أن خالداً من أصحابه وإنه منهي عن سبه, وإنما درجات الصحبة متفاوتة فالعبرة إذاً بعموم اللفظ في قوله: (لا تسبوا أصحابي) وإذا نهى الصحابي عن سب الصحابي فغير الصحابي أولى بالنهى عن سب الصحابي". اهـ التقييد والإيضاح (ص260-261).
وروى أبو نعيم الأصبهاني: بإسناده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "من كان مستناً فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا على الهدي المستقيم" حلية الأولياء 1/305-306، وذكره البغوي عن ابن مسعود 1/214 .
وقد سألتُ شيخنا عبد المحسن العبَّاد البدر -حفظه الله-: هل هناك من التابعين من هو أفضل من أي واحد من الصحابة؟ قال شيخنا-حفظه الله-: "إن أي واحدٍ من الصحابة أفضل من أي واحدٍ من التابعين ومن بعدهم, وسبب تفضيلهم أن عيونهم رأت النبي -صلى الله عليه وسلم-". انظر: إتحاف العِباد بفوائد دروس الشيخ عبد المحسن العبَّاد(ص25).
الوقفة الثالثة: وأما عن كلام السلف في نقض القاعدة التي جاء بها العباسي:
فمن ذلك كلام الإمام علي بن المديني -رحمه الله-: ((ثم أفضل الناس بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (يريد كبار الصحابة): القرن الذي بعث-الرسول صلى الله عليه وسلم- فيهم كلهم مَن صَحِبَه سَنةً أو شهراً أو ساعةً، أو رآه، أو وفد إليه فهو من أصحابه، له من الصُّحبة على قدر ما صحبَه، فأدناهم صحبةً هو أفضلُ من الذين لَم يروه، ولو لقوا الله عزَّوجلَّ بجميع الأعمال، كان الذي صحب النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- ورآه بعينيه وآمن به ولو ساعة أفضلَ بصُحبته من التابعين كلِّهم، ولو عملوا كلَّ أعمال الخير) اعتقاد أهل السنة والجماعة/ للألكائي(1/187-188).
فانظر أخي إلى هذا الكلام الرصين من العالم الإمام علي بن المديني فأسألك يا عباسي أما مرَّ عليك هذا حال مطالعتك لكتاب اللالكائي؟!, أم أن كلام ابن المديني فيه نظرٌ أيضاً؟! فهنيئاً لك يا صاحب النظر!!
وقال الإمام ابن بطة -رحمه الله- في مَعْرِض كلامه عن عقيدة أهل السنة في أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: " ويُشهد لجميع المهاجرين والأنصار بالجنة والرضوان, والتوبة والرحمة من الله, ويستقر علمك وتوقن بقلبك أن رجلاً رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وشاهده وآمن به واتبعه ولو ساعة من نهار, أفضل ممن لم يرده ولم يشاهده, ولو أتى بأعمال أهل الجنة أجمعين". الإبانة الصغرى (ص290-291).
ومن تلكم التقريرات أيضاً ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مؤيداً كلام الإمام أحمد: (( ومِمَّا يبيِّن هذا أنَّ الصُّحبةَ فيها عمومٌ وخصوصٌ، فيُقال: صَحبِه ساعةً ويوماً وجمعةً وشهراً وسنةً، وصَحِبَه عمرَه كلَّه.
وقد قال تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ}، قيل: هو الرفيق في السَّفر، وقيل: الزوجة، وكلاهما تقلُّ صُحبتُه وتكثر، وقد سَمَّى الله الزوجةَ صاحبةً في قوله: {أَنَّى يُكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَهُ صَاحِبَةٌ}.
ولهذا قال أحمد بن حنبل في الرسالة التي رواها عَبْدوس بن مالك عنه: (مَن صحب النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- سنةً أو شهراً أو يوماً أو ساعةً، أو رآه مؤمناً به، فهو من أصحابه، له من الصُّحبة على قدر ما صحبَه).
وهذا قول جماهير العلماء من الفقهاء وأهل الكلام وغيرِهم: يَعُدُّون في أصحابه مَن قلَّت صحبتُه ومَن كثرت، وفي ذلك خلافٌ ضعيف)) منهاج السنَّة (8/382 - 388).
فأنت تنظر أن العلماء يقسِّمون الصحبة إلى خاصة وعامة من حيث الملازمة, مع أنهم يرون أن الجميع قد فاز بشرفها وهم متفاضلون فيها كتفاضل العشرة المبشرين بالجنة عن من سواهم, ويعتقدون أنه لا يشركهم في هذا الفضل أحدٌ ممن جاء بعدهم, ولو كان أعلم أهل الأرض.
ولذا قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في تفسير قوله -صلى الله عليه وسلم- (ثم الذين يلونهم): "مقتضى هذه الأحاديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين. لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة للجمهور أو الأفراد؟ محل بحث, وإلى الثاني نحا الجمهور, والأول قول ابن عبد البر". فتح الباري (7/8).
وقد جاء عن أبي عمر ابن عبد البر بإسناده إلى إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: "سألت أبا أسامة أيما كان أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال لا نعدل بأصحابِ محمدٍ أحداً".انظر: جامع بيان العلم وفضله (2/227).
وفي ترجمة أبي ظبية الكُلاعي في تهذيب الكمال جاء فيها: " أبو ظبية من أفضل رَجُلٍ بالشام إلا رجلاً من الصحابة, وقال أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش: في هذا الحديث-أي حديث الوضوء-: وكانوا لا يعدلون به رجلاً إلا رجلاً صاحَبَ محمداً -صلى الله عليه وسلم- ".(33/449-450).
الوقفة الرابعة: استدلاله بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتى المقبرة، فقال: (( السَّلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أنَّا قد رأينا إخواننا، قالوا: أوَلَسْنا إخوانَك يا رسول الله؟! قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لَم يأتوا بعد )) الحديث، رواه مسلم (249) وغيرُه.
والاستدلال بهذا الحديث كلمة حق أريد بها باطل!, فمن قال للعباسي أن الصحابة ليسوا بإخوان النبي -صلى الله عليه وسلم- بل هم إخوانه وأصحابه!!
ولذا قال: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (( ومعلومٌ أنَّ قوله (إخواني) أراد به إخواني الذين ليسوا بأصحابي، وأمَّا أنتم فلكم مزيَّة الصُّحبة فجعل هذا حدًّا فاصلاً بين إخوانه الذين ودَّ أن يراهم وبين أصحابه، فدلَّ على أنَّ مَن آمن به ورآه فهو من أصحابه، لا مِن هؤلاء الإخوان الذين لَم يَرَهم ولَم يَرَوْه، فإذا عُرف أنَّ الصُّحبةَ اسمُ جنسٍ تَعُمُّ قليلَ الصُّحبة وكثيرَها، وأدناها أن يصحبَه زمناً قليلاً، فمعلومٌ أنَّ الصِّديقَ في ذروةِ سَنَام الصُّحبة وأعلى مراتبها؛ فإنَّه صَحِبَه من حين بعثه الله إلى أن مات )). منهاج السنة (8/389).
قال شيخنا عبد المحسن العبَّاد -حفظه الله-: "فدلَّ الحديثُ على التمييز بين أصحابه وإخوانِه، وأنَّ أصحابَه هم الذين أدركوه ورأوه، وإخوانَه الذين يأتون مِن بعد ولَم يروه، والمرادُ بالأُخوَّة الأخوَّة الإيمانية، والصحابةُ جمعوا بين الصُّحبةِ والأُخوَّة، والذين بعدَهم نصيبُهم الأُخوَّة وحدها". الانتصار للصحابة الأخيار (ص21).
الوقفة الخامسة: استدلاله بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن ورائكم أيام الصبر, للصابر فيها أجر مئة أو خمسين شهيداً, قالوا: منا أو منهم؟ قال: بل منكم), وقولك: " أن من أدرك زمان الفتن العظيمة, وثبت فيها وصبر له أجرٌ أعظم, من أجر عددٍ من شهداء الصحابة ".
والصواب أن هذا الحديث لا يجوز الاستدلال به قطعاً على أن من كان أجره أكثر, فإنه أفضل؛ وذلك لأن الصحابة فازوا بشرف الإيمان والصحبة التي لايعدلها شرفٌ أبداً, ولذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو أنفق أحدكم مثل جبل أحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه).
ومما يدلُ على أن الأفضلية لهم حصلت برؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- ما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أيضاً، عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يأتي على الناس زمان، يغزو فئامٌ من الناس، فيُقال لهم: فيكم مَن رأى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم، ثمَّ يغزو فئامٌ من الناس، فيُقال لهم: فيكم مَن رأى مَن صَحب رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم، ثمَّ يغزو فئامٌ من الناس، فيُقال لهم: هل فيكم مَن رأى مَن صَحِب من صَحب رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم )) رواه مسلم (2532).
قال شيخنا العبَّاد -حفظه الله-: " وهذا الحديث الصحيحُ دالٌّ على أنَّ الصُّحبةَ للرسول -صلى الله عليه وسلم- تحصُل برؤيته -صلى الله عليه وسلم- ، وإن لَم تطُلْ صحبتُه إيَّاه".الانتصار للصحابة الأخيار (ص21).
وقال الإمام ابن أبي زيد القيرواني -رحمه الله- في مقدَّمة رسالته: "وأنَّ خيرَ القرون القرنُ الذين رأوا رسولَ الله –صلى الله عليه وسلم- وآمنوا به، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، وأفضل الصحابة الخلفاءُ الراشدون المهديّون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان،ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وأن لا يُذكر أحدٌ من صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلاَّ بأحسن ذكرٍ، والإمساك عمَّا شجر بينهم، وأنَّهم أحقُّ الناس أن يُلتمس لهم أحسن المخارج، ويُظنَّ بهم أحسنَ المذاهب ".
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: " وقد كان تعظيمُ الصحابة -ولو كان اجتماعُهم به صلَّى الله عليه وآله وسلم قليلاً- مقرَّراً عند الخلفاء الراشدين وغيرهم، فمِن ذلك ما قرأتُ في كتاب أخبار الخوارج تأليف محمد بن قدامة المروزي، بخطِّ بعضِ مَن سمعه منه في سنة سبعٍ وأربعين ومئتين، قال: حدَّثنا علي بن الجعد، قال: حدَّثنا زهير هو الجعفي، عن الأسود بن قيس، عن نُبَيْح العَنَزِي قال: كنت عند أبي سعيد الخدري))، ثمَّ ذكره الحافظ بإسناده إلى نُبيح قال: ((كنَّا عنده وهو متَّكئ، فذكرنا عليًّا ومعاوية، فتناول رجلٌ معاويةَ، فاستوى أبو سعيد الخدري جالساً، ثمَّ قال: كنَّا ننزلُ رفاقاً مع رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، فكنَّا رفقةً فيها أبو بكر، فنزلنا على أهل أبيات وفيهم امرأة حُبلى، ومعنا رجلٌ من أهل البادية، فقال للمرأة الحامل: أَيَسُرُّك أن تلِدي غلاماً، قالت: نعم! قال: إن أعطيتِنِي شاةً ولَدتِ غلاماً، فأعطَتْه، فسَجَع لها أسجاعاً، ثمَّ عمد إلى الشاةِ فذبحها وطبخها، وجلسنا نأكل منها ومعنا أبو بكر، فلمَّا علم بالقصَّة قام فتقيَّأ كلَّ شيءٍ أكل، قال: ثمَّ رأيتُ ذلك البَدَويَّ أُتِي به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصارَ، فقال لهم عمر: لولا أنَّ له صحبةً!! من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ما أدري ما نال فيها لَكَفَيْتُكموه، ولكن له صحبة مِن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم!! ".
قال الحافظ: "لفظ علي بن الجعد، ورجال هذا الحديث ثقات، وقد توقَّف عمر رضي الله عنه عن معاتبتِه فضلاً عن معاقبتِه لكونه علم أنَّه لقي النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم، وفي ذلك أبينُ شاهد على أنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ شأنَ الصحبة لا يعدله شيء!!)). ابن حجر في الإصابة (1/20 - 21).
الوقفة السادسة: وهي الحلقة المفقودة التي بها يتضح أن هذه المقدمة الخطيرة لها نتيجة أخطر منها وهي انفلات اللسان في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل و الدفاع عن الذين أطلقوا ألسنتهم بالوقيعة في أفضل هذه الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم- وكما يقال إذا عُرف السبب بطل العجب!.
فقد حدثني الأخ الفاضل الشيخ أبو العباس عادل بن منصور -وفقه الله- أنه التقى بـ محمد عيد عباسي في الرياض في منزل أحد إخواننا المصريين على مأدبةٍ بعد صلاة الظهر وكان جمعٌ من الإخوة هنالك فدار الحوار عن كلام شيخنا ربيع المدخلي -حفظه الله وسدده- عن عدنان عرعور!, وأنه يمدح ويثني على سيد قطب, فبدأ محمد عيد عباسي يدافع عن عدنان عرعور وعن سيد قطب, وقال: "إن شيخنا الألباني كان يثني على سيد قطب؟!" فقال له الشيخ عادل منصور ولكن ما رأيك أنت في طعن سيد قطب في أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال محمد عيد عباسي-بلهجته الشامية-: " لك شو آل سيد في الصحابة؟؟!!" قال الشيخ عادل: فبدأت أسرد عليه كلام سيد في عمرو بن العاص ومعاوية -رضي الله عنهما- فقال العباسي: في معاوية -رضي الله عنه- "ما معاوية باغي زالم -أي ظالم-!!!!" ثم انقطع المجلس بأذان العصر.
وهنا أقول إن هذه النتيجة التي قلدتها عنقك يوم القيامة إن لم تتب هي المهلكة, ولا شك أنها عقوبة من الله تعالى, ولا يسعني إلا أن أقول كما قال الحافظ ابن حجر عند رده على الأحناف الذين قالوا أن أبا هريرة لم يكن في الفقه كابن مسعود, قال: "وَهُوَ كَلامٌ آذَى قَائِلُهُ بِهِ نَفْسه ، وَفِي حِكَايَتِهِ غِنًى عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِ".
ثم نقل -رحمه الله- عن صاحب الاصطلام قوله: "التَّعَرُّضُ إِلَى جَانِب الصَّحَابَةِ عَلَامَة عَلَى خِذْلَانِ فَاعِلِهِ بَلْ هُوَ بِدْعَة وَضَلَالَة".فتح الباري (4/427).
وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي -رحمه الله-: "معاوية ستر لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه ". ابن كثير في البداية والنهاية (8 / 148).
وقال الإمام ابن المبارك -رحمه الله-: "معاوية عندنا محنة فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم يعني الصحابة " البداية والنهاية (8/134).
وقال الفضل ابن زياد سمعت أبا عبد الله-يعني أحمد بن حنبل- يسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضى فقال إنه لم يجترىء عليهما إلا وله خبيئة سوء ما انتقص أحد احدا من الصحابة إلا وله داخلة سوء" البداية والنهاية (8/139).
وقال ابن كثير أيضاً عن إبراهيم بن ميسرة -رحمه الله- قال: "ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسان شتم معاوية فانه ضربه أسواطا". البداية والنهاية (8/139).
وعن الإمام مالك بن أنس (179هـ) رحمه الله:
قال البغوي في شرح السنة (1/229): (( قال مالك: مَن يبغض أحداً!! من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان في قلبه عليه غِلٌّ فليس له حقٌّ في فَيءِ المسلمين، ثم قرأ قولَه سبحانه وتعالى:{مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى} إلى قوله: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيـمَانِ} الآية، وذُكر بين يديه رجلٌ ينتقص أصحابَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقرأ مالكٌ هذه الآية {مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} إلى قوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}، ثم قال: مَن أصبح من الناس في قلبه غِلٌّ على أحدٍ من أصحاب النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقد أصابته هذه الآية )).
الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:قال في كتابه السنة:((ومن السنَّة ذكرُ محاسن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلِّهم أجمعين!!، والكفّ عن الذي جرى بينهم، فمَن سبَّ أصحابَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو وأحداً منهم فهو مبتدعٌ رافضيٌّ، حبُّهم سنَّةٌ والدعاءُ لهم قربةٌ والاقتداءُ بهم وسيلةٌ والأخذُ بآثارهم فضيلةٌ )).
وقال: (( لا يجوز لأحدٍ أن يذكر شيئاً من مساوئهم ولا يطعن على أحدٍ منهم فمَن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبُه وعقوبتُه ليس له أن يعفوَ عنه بل يعاقبُه ثمَّ يستتيبُه فإن تاب قبِلَ منه وإن لَم يتب أعاد عليه العقوبة وخلَّده في الحبس حتى يتوب ويراجع )).
والإمام أبوزرعة الرازي -رحمه الله-: روى الخطيبُ البغدادي في كتابه الكفاية (ص:49) بإسناده إليه قال: (( إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحداً!! من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى وهم زنادقةٌ )).
والإمام أبوجعفر الطحاوي -رحمه الله-:قال في عقيدة أهل السنة والجماعة: (( ونحبُّ أصحابَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا نفرط في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نتبرَّأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلاَّ بخيرٍ، وحبُّهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ )).
والإمام أبو المظفَّر السمعاني -رحمه الله-: نقل الحافظ في الفتح (4/365) عنه أنَّه قال: (( التعرُّضُ إلى جانب الصحابة علامةٌ على خذلان فاعله، بل هو بدعةٌ وضلالةٌ )).
والحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-: قال في كتابه فتح الباري (13/34): ((واتّفق أهلُ السنة على وجوب منع الطعن على أحد!! من الصحابة بسبب ما وقع لهم من حروبٍ ولو عُرف المحقُّ منهم؛ لأنَّهم لَم يقاتلوا في تلك الحروب إلاَّ عن اجتهادٍ وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنَّه يؤجر أجراً واحداً وأنَّ المصيبَ يؤجر أجرين )).
والشيخ يحيى بن أبي بكر العامري -رحمه الله-:(( وينبغي لكلِّ صيِّنٍ متديِّنٍ مسامحة الصحابة فيما صدر بينهم من التشاجر والاعتذار عن مخطئهم وطلب المخارج الحسنة لهم وتسلِيم صحة إجماع ما أجمعوا عليه على ما علموه، فهم أعلم بالحال، والحاضرُ يرى ما لا يرى الغائبُ، وطريقةُ العارفين الاعتذارُ عن المعائب، وطريقةُ المنافقين تتبُّعُ المثالب، وإذا كان اللاَّزمُ من طريقة الدين سترُ عورات المسلمين فكيف الظنُّ بصحابة خاتم النبيّين مع اعتبار قوله -صلى الله عليه وسلم- : (لا تسبُّوا أحداً من أصحابي)!!، وقوله: (من حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه) هذه طريقةُ صلحاء السلف وما سواها مهاوٍ وتلف )).الرياض المستطابة في من له روايةٌ في الصحيحين من الصحابة (ص:311).
الوقفة السابعة: هي دفاعك عن سيد قطب ووالله لو كنت على سبيل وسنَّة لما دافعت عنه ولكن لكل قومٍ وارث والطيور على أشكالها تقع, وقد كفانا الله تعالى سيداً وعرعوراً بأن أنبرى لهما الإمام ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله- الذي جعل عرضه دون عرض أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- ونفسه دون أنفسهم فاللهم اجزه عنا خير الجزاء واحفظه بحفظك يا رب العالمين.
واختم بما روى البخاري في صحيحه (6475) ومسلم في صحيحه (74) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )) الحديث.
وروى البخاري في صحيحه (6477) ومسلم في صحيحه (2988)، واللفظُ لمسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( إنَّ العبدَ ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب )).).
وأوصيك بما قاله الإمام أبو حاتم بن حبان البستي -رحمه الله- ((الواجبُ على العاقل أن يلزم الصمتَ إلى أن يلزمه التكلُّمُ، فما أكثرَ مَن ندم إذا نطق، وأقلَّ من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاءً وأعظمهم بلاءً من ابتُلي بلسانٍ مطلقٍ، وفؤادٍ مطبقٍ )). روضةُ العقلاء ونزهة الفضلاء (ص:45).
هذا والله أسأل أن يهدي العباسي وغيره ممن حافوا عن الصواب وأن يجعلنا وإياهم ممن قال الله تعالى فيهم {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}الحشر10.
فاللهم سلِّم ألسنتنا وقلوبنا عن الوقيعة في أحدٍ من أصحاب نبيك -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهم أجمعين واحشرنا في زمرتهم يا ربَّ العالمين.
كتبه راجي عفو ربه المنان
عبد الرحمن بن محمد العميسان
يوم الأحد 15/ 5/ 1430هـ
المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام
منقول من منتديات البيضاء العلمية:
http://www.albaidha.net/vb/showthread.php?t=16299