شبه قد يتمسك بها من يرى أن وسائل الدعوة ليست توقيفية للعلامة عبد السلام البرجس-رحمه الله تعالى-
قال العلامة عبد السلان بن برجس-رحمه الله تعالى-في كتاب"الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية"
فصــــــــــــــــل
وهنا شبه قد يتمسك بها من يرى أن وسائل الدعوة ليست توقيفية
[ الشبهة الأولى ]
وقد ورد بعضها في كلام أبي القاسم القشيري – فيما يتعلق بمسألة (( السماع )) – فأجاد شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في الإطاحة بها ، ونقضها وذلك في كتابه (( الاستقامة )).
ونحن نذكر كلام القشيري ثم نخلص رد شيخ الإسلام عليه ، إذ كلامه تأصيل بديع في هذه المسألة به تنكشف الزيوف ، وتتهافت الشبه .
قال أبو القاسم القشيري :
( واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة ، والنغم المستلذة – إذا لم يعتقد المستمع محظوراً ، ولم يسمع على مذموم في الشرع ، ولم ينجر في زمام هواه ، ولم ينخرط في سلك لهو - : مباح في الجملة .
ولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها .
فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان : هذا ظاهر من الأمر .
ثم ما يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات ، وتذكر ما أعده الله لعباده المتقين من الدرجات ، ويحمله على التحرز من الزلات ويؤدى إلى قلبه في الحال صفاء الواردات : مستحب في الدين ومختار في الشرع ). اهـ. كلام القشيري .
قال شيخ الإسلام :
( قلت تضمن هذا الكلام شيئين :
أحدهما : إباحة سماع الألحان والنغمات المستلذة ، بشرط ألا يعتقد المستمع محظوراً ، ولا يسمع مذموماً في الشرع ، وألا يتبع منه هواه .
والثاني : أن ما أوجد للمستمع الرغبة في الطاعات ، والاحتراز من الذنوب ، وتذكر وعد الحق ووصول الأحوال الحسنة إلى قلبه فهو مستحب .
وعلى هاتين المقدمتين بنى من قال باستحباب ذلك ...
وهاتان المقدمتان كلاهما غلط مشتمل على دليل مجمل ...
ولهذا نشأ من هاتين المقدمتين اللتين لبس فيهما الحق بالباطل :
قول لم يذهب عليه أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ...
قال الحسن بن عبد العزيز : سمعت الشافعي يقول : خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة ، يسمونه التغبير ، يصدون به الناس عن القرآن .
والتغبير هو الضرب بالقضيب . غبر أي : أثار غباراً وهو آلة من الآلات التي تقترن بتلحين الغناء ...
ونحن نتكلم عن المقدمتين – إن شاء الله – بكلام يناسب ما كتبته هنا .
أما قوله :
((فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان الطيبة : هذا ظاهر من الأمر . ))
فإن هذه حجة فاسدة جداً ، والظاهر أنما هو عكس ذلك فإن نفس سماع الألحان مجرداً عن كلام يحتاج إلى أن تكون مباحة مع انفرادها ، وهذا من أكبر مواقع النزاع ، فإن أكثر المسلمين على خلاف ذلك ، ولو كان كل من الشعر والتلحين مباحاً على الانفراد لم يلزم الإباحة عند الاجتماع إلا بدليل خاص ، فإن التركيب له خاصة يتعين الحم بها ...
فلو قال قائل : النبي -صلى الله عليه وسلم-قد قرأ القرآن ، وقد استقر أه من ابن مسعود ، وقد استمع لقراءة أبي موسي ، وقال ((لقد أوتيت مزماراً من مزامير داود )) ، فإذا قال قائل إذا جاز ذلك بغير هذه الألحان ، فلا يتغير الحكم بان يسمع بالألحان . كان هذا منكراً من القول وزوراً باتفاق الناس .
وأما المقدمة الثانية وهي قوله بعد أن أثبت الإباحة :
(( إن ما أوجب للمستمع أن يوفر الرغبة على الطاعات ، ويذكر ما أعد الله لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على التحرز من الزلات ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاء الواردات : مستحب في الدين ، ومختار في الشرع )).
فنقول : تحقيق هذه المقدمة : أن الله – سبحانه – يحب الرغبة فيما أمر به والحذر مما نهي عنه ويحب الإيمان بوعده ووعيده ، وتذكر ذلك ، وما يوجبه من خشيته ورجائه ومحبته والإنابة إليه ، ويحب الذين يحبونه فهو يحب الإيمان – أصوله وفروعه – والمؤمنين ،والسماع يحصل المحبوب ، وما حصل المحبوب فهو محبوب : فالسماع محبوب .
· وهذه المقدمة مبناها علي أصلين
أحدهما : معرفة ما يحبه الله .
والثاني : أن السماع يحصل محبوب الله خالصاً أو راجحاً .
فإنه إذا حصل محبوبة ومكروهة ، والمكروه أغلب : كان مذموماً . وإن تكافأ فيه المحبوب والمكروه لم يكون محبوباً ولا مكروهاً
أما الأصل الأول : وهو معرفة ما يحبه الله ، فهي أسهل وإن كان غلط في كثير منها كثير من الناس .
وأما الأصل الثاني : وهو أن السماع المحدث يحصل هذه المحبوبات فالشأن فيها ، ففيها زل من زل وضل من ضل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
· ونحن نتكلم علي ذلك بوجوه نبين بها – إن شاء الله – المقصود :
- الوجه الأول
أن نقول : يجب أن يعرف أن المرجع في القرب والطاعات والديانات والمستحبات إلى الشريعة ، ليس لأحد أن يبتدع ديناً لم يأذن الله به ، ويقول : هذا يحبه الله . بل بهذه الطريق بدل دين الله وشرائعه ، وابتدع الشرك ، وما لم ينزل الله به سلطاناً .
وكل ما في الكتاب والسنة ، وكلام سلف الأمة ،وأئمة الدين ومشايخه ، من الحض علي إتباع ما انزل إلينا من ربنا واتباع صراطه المستقيم ، والنهي عن ضد ذلك : فكله نهي عن هذا – وهو ابتداع دين لم يأذن الله به – سواء كان الدين منه عبادة غير الله أو عبادة الله يما لم يأمر به .
بل دين الحق : أن نعبد الله وحده لا شريك له ، بما أمرنا به علي ألسنة رسله ...
... إلى أن قال :
وهذا أصل عظيم من أصول سبيل الله وطريقه يجب الاعتناء به وذلك أن كثير من الأفعال قد يكون مباحاً في الشريعة ، أو مكروهاً أو متنازعاً في إباحته وكراهته وربما كان محرماً أو متنازعاً في تحريمه فتستحبه طائفة من الناس ، يفعلونه على أنه حسن مستحب ، ودين وطريق يتقربون به ، حتى يعدون من يفعل ذلك أفضل ممن لا يفعله ، وربما جعلوا ذلك من لوازم طريقتهم إلى الله ، أو جعلوه شعار الصالحين وأولياء الله .
ويكون ذلك خطأ وضلالا وابتداع دينٍ لم يأذن به الله .
مثال ذلك : حلق الرأس في غير الحج والعمرة لغير عذرٍ فإن الله قد ذكر في كتابه حلق الرأس وتقصيره في النسك ، وذكر حلقه لعذر .
وأما حلقه لغير ذلك فقد تنازع العلماء في إباحته وكراهته نزاعاً معروفاً على قولين هما روايتان عن أحمد .
ولا نزاع بين علماء المسلمين وأئمة الدين أن ذلك لا يشرع ولا يستحب ولا هو من سبيل لله وطريقه ، ولا من الزهد المشروع للمسلمين ، ولا مما أثني الله به علي أحد من الفقراء .
مع هذا فقد اتخذه جماعة من النساك الفقراء والصوفية ديناً حتى أن من لم يفعل ذلك يكون منقوصاً عندهم ، خارجاً عن الطريقة المفضلة المحمودة عندهم ومن فعل ذلك دخل في هديهم وطريقتهم
وهذا ضلال عن طريق الله وسبيله باتفاق المسلمين ، واتخاذ ذلك ديناً وشعاراً لأهل الدين من أسباب تبديل الدين ...
· الوجه الثاني :
أن قولهم : إن السماع يحصل محبوب الله ، وما حصل محبوبة فهو محبوب له .
قول باطل وكثير من هؤلاء – أو أكثرهم – حصل لهم الضلال والغواية من هذه الجهة .
فظنوا أن السماع يثير محبة الله ومحبة الله هي أصل الإيمان الذي هو عمل القلوب ، وبكمالها يكمل ...
فيقال : إن ما يهيجه هذا السماع المبتدع - ونحوه – من الحب وحركة القلب ليس هو الذي يحبه الله ورسوله ، بل اشتماله على ما لا يحبه الله وعلى ما يبغضه أكثر من اشتماله على ما يحبه ولا يبغضه وحده عما يحبه الله ونهيه عن ذلك أعظم من تحريكه .
وإن كان يثير حباً وحركة ويظن أن ذلك يحبه الله ، وأنه مما يحبه الله ، فإنما ذلك من باب الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد جائهم من ربهم الهدى ([59])
· فتحصل من هذا :
إن الانتفاع بالوسائل المحدثة لا يبرر شرعيتها لأننا مقيدون بالكتاب والسنة لا بالهوى والوجد .
فكل وسيلة بدعية – تمثيلاً كانت أو نشيداً (( سماعاً )) أو غير ذلك – وإن حركت القلوب وشوقت النفوس ، وذكرت بعض الغافلين ، وأرشدت بعض التائهين .. فلا خير فيها ، إذ لو كانت خير لأهتدي لها السابقون الأولون ، ولشرعها المصطفى-صلى الله عليه سلم-.
والمتذكر بها والمسترشد بها سرعان ما يرجع الى غفلته ، وإن واصل فعلى غير طريق قويم ، وصراط مستقيم .
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام عندما قال قائل عن السماع المحدث : ( هذه شبكة يصاد بها العوام )
صدق ، فإن أكثرهم إنما يتخذون ذلك شبكة لأجل الطعام والتوانس علي الطعام .
ومن فعل هذا فهو من أئمة الضلال ، الذين قيل في رؤوسهم :
) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا & وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا & رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً( (الأحزاب:66-68)
وأما الصادقون منهم – أي من العوام – فهم يتخذونه شبكة ، لكن هي شبكة مخرقة يخرج منها الصيد إذا دخل فيها كما هو الواقع كثيراً فإن الذين دخلوا في السماع المبتدع في الطريق ، ولم يكن معهم أصل شرعي شرعه الله ورسوله : وأورثتهم أحوالاً فاسدة ... ([60])
فهذه أثار الوسائل البدعية سوء في ظلامٍ ، وظلام في ظلامٍ ، وليعتبر المسلم بما قاله الله تعالي في حق النصاري :
) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ( (الحديد:27)
والمعنى أنهم ابتدعوا لأنفسهم عبادة ما كتبها الله عليهم ولا فرضها ، بل هم الذين التزموها من عند أنفسهم ، وقصدهم بذلك تحصيل رضا الله – سبحانه –
فانظر كيف مقتهم الله وذمهم مع حسن قصدهم فيما التزموه من العبادة المحدثة فإن الله تعالى لا يريد من عباده أن يعبدوه إلا بما شرع على السنة رسله وبذلك يظهر صدق المستجيبين لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم .
فكما أن الله تعالى لا يقبل من مشرك في توحيد الإلهية عملاً مهما كبر ، فكذلك لا يقبل ممن أشرك في توحيد المتابعة عملاً مهما كثر .
قال تعالي :
) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( (القصص:50)
فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه ديناً ، وينهى عما يبغضه ، ويذمه ، ويتخذ ذلك ديناً : إلا بهدى من الله وهدى الله هو شريعته التي بعث بها رسوله-صلى الله عليه سلم- .
ومن اتبع ما يهواه حباً وبغضاً بغير الشريعة قد اتبع هواه بغير هدى من الله .
وأي إتباع للهوى أعظم من الإعراض عما شرع الله تعالى من الوسائل الشرعية في الدعوة إلي الوسائل البدعية ، التي يظنها الفاعل لها قربة وطاعة لله تعالى ، وهي – والله – عين الضلال ومنبع الفساد .
وصدق الله تعالى إذ يقول : ) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ & وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ( (الزخرف:36-37)
[59] ) (( الاستقامة )) ( 1/234- 261) .
[60] ) (( مجموع الفتاوى )) ( 11/601) .
يتبع ....