من بكاء التابعي الجليل الزاهد العابد ثابت بن أسلم البُناني رحمه الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فقد كان ثابت بن أسلم البناني صواماً قواماً، محدثاً، حافظاً، إماما في العلم والعمل، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يحبه.
قال حُمَيْدٌ الطويل رحمه الله: كُنَّا نَأْتِي أَنَسًا وَمَعَنَا ثَابِتٌ، فَكُلَّمَا مَرَّ بِمَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ، فَكُنَّا نَأْتِي أَنَسًا فَيَقُولُ: " أَيْنَ ثَابِتٌ؟ أَيْنَ ثَابِتٌ؟ أَيْنَ ثَابِتٌ؟ دُوَيْبَةٌ أُحِبُّهَا". رواه ابن سعد وابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية وغيرهم وسنده صحيح.
ودويبة تصغير دابة، وأراد بذلك التدليل كناية عن المحبة.
وقال حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ: عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه: "إِنَّ لِلْخَيْرِ أَهْلاً، وَإِنَّ ثَابِتاً هَذَا مِنْ مَفَاتِيْحِ الخَيْرِ".
رواه ابن أبي شيبة في المصنف، والإمام أحمد في الزهد، والبخاري في التاريخ الكبير، وعلي بن الجعد في مسنده وغيرهم.
قال ثابت رحمه الله: "الصَّلاةُ خِدْمَةُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ ، وَلَوْ عَلِمَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنَ الصَّلاةِ، مَا قَالَ: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} ". رواه علي بن الجعد، وابن المنذر في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره وأبو نعيم في الحلية وغيرهم بسند حسن.
قال حماد بن زيد: "رَأَيْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ يَبْكِي حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ". رواه ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء بسند حسن.
وعن حماد بن سلمة رحمه الله: أَنَّ ثَابِتًا كَانَ يَقْرَؤها: وَيْلَكَ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ، وَهُوَ يُصَلِّي صَلاةَ اللَّيْلِ، يَنْتَحِبُ وَيُرَدِّدُهَا. رواه ابن سعد في الطبقات والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح.
وعن جعفر بن سليمان، قال: بكى ثابت حتى كادت عينه تذهب فجاءوا برجل يعالجها فقال: أعالجها على أن تطيعني قال: «وأي شيء؟» قال: على ألا تبكي قال: «فما خيرهما إن لم تبكيا؟» ، وفي لفظ: "وما خير في عين لا تبكي"، وأبى أن يتعالج.
رواه ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء، وأبو نعيم في حلية الأولياء(2/ 323) وسنده حسن.
وعن حماد بن زيد، عن ثابت بن أسلم البناني، عن أنس رضي الله عنه: أَنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «يَا أَنَسُ، كَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التُّرَابَ؟»، وَقَالَتْ: «يَا أَبَتَاهْ، مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهْ، وَا أَبَتَاهْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، وَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، وَا أَبَتَاهْ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهْ».
قَالَ حَمَّادٌ: حِينَ حَدَّثَ ثَابِتٌ بَكَى، وقَالَ ثَابِتٌ: حِينَ حَدَّثَ أَنَسٌ بَكَى.
رواه الدارمي(1/ 223رقم88) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
كتبه:
أسامة بن عطايا العتيبي
12/ 3/ 1437 هـ