كلمة في الأحداث
بقلم :
أسرة التَّحرير لمجلة الإصلاح السَّلفية الجزائرية
- صانها الله من كل سوء -
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى على أحدٍ أنَّ أوطان أهل الإسلام في هذه الأيَّام تعيش حالاً عصيبًا وجوًّا كئيبًا ، وتمرُّ بمحنةٍ اشتدَّت نارها اشتعالاً ولهيبًا ، من خلال موجات الاحتجاجات المتزايدة ، والدَّعوة إلى الاعتصام والمظاهرات في الشَّوارع والسَّاحات العامَّة ، وكاد أن يكون هذا المظهر مألوفًا ، ومطلب أهله معروفًا ، ولكن إلى أيِّ مدى يمكن قبول مثل هذا التَّصعيد المؤدِّي إلى سفك الدِّماء ونهب الممتلكات ، وسلب الأرزاق ، وترويع الآمنين ، وتعريض الشَّباب إلى المخاطر والجازفات ، وإقحامه في معارك لا يكون هو الغانم فيها قطعًا ، فإنَّه كما قيل : " الثَّورات يخطِّط لها العقلاء ويقوم بها المجانين ويستفيد منها الجبناء " !
ولسنا ننقم على السَّاسة خوضهم في هذه الأحداث ، لأنَّها مرتعهم الَّذي فيه يسرحون ، ومن علفها يجتَّرون ، ولا على أهل الإعلام تغطيتهم لما يجري ، لأنَّها مادَّة صناعتهم الَّتي تسيل منها أقلامهم ، وتمتلئ بها صحفهم وقنواتهم .
بل ولا ننقم على أعداء الأمَّة المتربِّصين بها من الكفرة وأتباعهم وتتبُّعهم لما وقع وسيقع من تقلُّبات وتغيرُّات في خريطة العالم الإسلامي ، فإنَّهم كما قال الله فيهم : ﴿ لاَ يَألُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ [ آل عمران:118]
ولكن ما يثير الدَّهشة والاستغراب ، ويدخل على النُّفوس الحزن والاكتئاب :
عودة وجوهٍ توسم بـ : " الوجيهة " إلى واجهة الأحداث وبالوجه المعروفة به ، والتَّوجُّه الَّذي تؤمن به وتسير عليه ، تُبارك مظاهر الاحتجاجات والمسيرات ، وتؤجِّج فتيل الانفلات والثَّورات ، مزكِّيةً أفعالها وخططها ، مضيفة عليها ألقاب الفخر والمجد ، ومانحة إيَّاها أوسمة الشَّرف وشارات البطولة ، دافعةً بها إلى المهول والمجهول " ثورة مباركة ، دماء زكيَّة ، شعب عظيم ، شباب يريد التَّغيير ..." إلى غير ذلك من الشِّنشنة الَّتي بها يعرفون ، وبلحنها دومًا يترنَّمون .
وليت العجب يقف بنا عند هذا الحدِّ ! فإنَّه سرعان ما توارد الانكار على هؤلاء وتوالى ، وارتفع الحقُّ وتعالى ، قام آخرون ، ولا ندري بأيِّ لسانٍ يتكلَّمون وفي أيِّ صفٍّ يقفون ، يلتمسون لهم الأعذار ، ويبحثون في أرشيف ماضيهم ما يحفظ لهم ماء الوجه ويردُّ لهم الاعتبار ، فوجدوا ما ظنُّوا أنَّه به يسكتون صوت النَّاقمين والنَّاقدين ، فقالوا عنهم إنَّهم يصرحون بأنَّ التَّغيير لا يكون بالمظاهرات والمسيرات ، وحشد الجماهير تحسُّبًا للمواجهات ، وإنَّما يكون بتغيير ما في النُّفوس والعودة بها إلى رحاب التَّديُّن ، وهذا تعارض وتناقض في القول والعمل ، وقد عُلِم من قواعد الشَّرع الحنيف أنَّ المتأخرَّ ينسخ المتقدِّم .
فبأيِّ القولين نأخذ ؟
وعلى أيِّ منهجٍ نسير ؟
فللعقلاء أن يتأمَّلوا ثمَّ يحكموا .
ومن هنات القوم المُعذرين في المعتذر لهم : أنَّهم دعاة ينظر إليهم وينتظر منهم وقد أُقحموا ، وسئلوا فتكلَّموا ، ثمَّ هم أبناء الشَّعب وقد استغاث بهم !
أفلا يُغاث الملهوف ويُسمع للمظلوم ويؤخذ على يد الظَّالم ؟ وهل من المعقول ورجحان الحكمة أن يقفوا ضدَّ التِّيَّار الجارف في محاولة يائسة لإيقافه أو تغيير مساره ؟
وجوابًا على ما ذكر ، وإبطالاً لما عنه اعتذر ، يقال : من الَّذي أقحمكم الميدان ، ومنحكم التَّفويض لولا جرأتكم وحرصكم على الظُّهور والبروز ؟ وتتلهفون وراء القنوات للوصول إلى مخاطبة الجماهير ، وتحريك عواطف الشَّباب منهم بلغةٍ كلُّها تهييج وتهريج .
ولماذا تكلَّمتم حين سئلتم ؟ لمَ لم تثبتوا على نهجكم فتردِّدوا لهم مقولَكم في مثل هذه المظاهرات والمسيرات وحكمكم عليها ؟
أو على الأقل إن خفتم أن ينالكم سوءٌ يزيل عنكم لمعان الشُّهرة أن تسكتوا ولو إلى حين ؟ فقد وسع السُّكوت في النَّوازل والفتن وفي خضمِّ الإحداث المتسارعة قومًا ليسوا بجبناء ولا جهلاء ، بل كانوا علماء وحلماء ، عصمهم العلم وزيَّنهم الحلم من أن يفتئوا على الأمَّة ، ويجرُّوا بأذيال أبنائها إلى حيث يلقون حنقهم وموتهم .
إنَّ على دعاة الحقِّ وكلِّ مَنْ رام عزَّا لهذه الأمة المرحومة ، ورجا لأبنائها سلامة وسعادة ورُشدًا ، وفي طليعتهم هؤلاء الشَّباب ، الَّذي يريد البعض أن يصعد على أكتافهم ليبني قصرًا ولو هدم مصرًا ، أو أحرق " مصرَ " ، أن يتَّقوا الله فيهم ، وأن لا يغشُّوهم في النُّصح ، وأن يأخذوا بأيدهم إلى شاطئ النَّجاة وبرِّ الأمان بتبصُّر ويقظة وحكمة وتعقُّل يدفع عنهم التَّهور والطِّيش ، والارتماء في أحضان المتلاعبين بمصالح الأمَّة وأمنها واستقرارها ، فإنَّنا كثيرًا ما نستبطئ النَّصر والتَّمكين ، ونعيش وساوسَ وهذيان تؤمِّلنا في الفتح المبين ، والله تعالى يحبس عن المُعْرِض عطاءه ، ويكشف عن الدَّعيِّ غطاءه ، وينصر الحقَّ ، ويمتحن الخلق ، وينصب صراطًا يعبر عليه النَّاس في العاجلة قبل عبروهم على صراط الآجلة ، ويعجِّل لهم عقوبة الدُّنيا قبل خزي الآخرة .
إنَّ على النَّاس أن يعلموا أنَّ سنَّة الله في التَّغيير تقتضي أن يغيَّر النَّاس ما في أنفسهم أوَّلاً ، فالله تعالى لا يسلب قومًا نعمةً أنعمها عليهم حتَّى يغيَّروا ما كانوا عليه من الطَّاعة والعمل الصَّالح ﴿ إنَّ اللهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيّروا مَا بِأنْفُسِهِم ﴾ [ الرعد : 11 ] .
وهذه الآية أفادت أنَّ التَّغيير تغييران :
1. تغيير القلب والعمل ، وهو على العبد بتوفيق الله تعالى له ولطفه به ، ويشمل كلَّ شئ ، بدءًا من التَّغيير في العقيدة إلى إماطة الأذى عن الطَّريق ، مرورًا بإصلاح القلوب الَّتي صدأت ، والعبادات الَّتي انحرفت ، والأخلاق الَّتي سادت ، والمناهج الَّتي كسدت .
2. تغيير الواقع والحال ، وهو على الرَّبِّ سبحانه ، لا بقوَّتنا وبآسنا وتدبيرنا .
والتَّغييران متتاليان ، لا يتحقَّق الثَّاني إلاَّ بتحقيق الأوَّل شرطًا ، يفسِّره قوله تعالى : ﴿ إن تَنصُروا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ [ محمد :7]
ومن عَكَسَ يناله قوله تعالى : ﴿ أَوَلَـمَّا أصَبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أنفُسِكُمْ ﴾ [ آل عمران: 165]
فالتَّغيير الَّذي نريده هو التَّغيير الَّذي يمتدُّ إلى البواطن والعقليَّات ، لا التَّغيير الَّذي يكتفي بالظَّواهر والشَّكليَّات ، تغييرٌ تستقيم فيه النُّفوس على طاعة مولاها وخالقها ، وتصلح ما بينها وبين الله تعالى لإقامة التَّوحيد وتحكيم الشَّرع ، لينشأ عندنا جيلٌ متلائم الأذواق ، متَّحد المشارب ، مضبوط النَّزعات ، صحيح النَّظرة إلى الحياة .
إنَّ السُّنن الرَّبَّانيَّة في الأمم والأفراد لا تتخلَّف ، وقد قضت أنَّه لا بقاء ولا تمكين إلاَّ للصَّالح ، عرف هذا من عرفه ، وجهله من جهله ﴿ إنَّ الأَرضَ لله يُورٍثُها مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والعَاقبَةُ للّمُتَّقينَ ﴾ [ الأعراف] ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرثُهَا عِبَادِىَ الصَّالحُونَ ﴾ [ الأنبياء]
نسأل الله الكريم ربَّ العرش العظيم أن يردَّ هذه الأمَّة إلى الإسلام ردًّا جميلاً وأن يهدينا صراطًا مستقيمًا ، وأن يهيِّء لها أمر رشد يعزُّ فيه وليه ويذلُّ فيه عدوُّه ، وأن يجعل يومها خيرًا من أمسها ، وغدها أفضل من يومها ، إنَّه على كلَّ شيء قدير وبالإجابة جدير .
المصدر: مجلة الإصلاح السَّلفية الجزائرية / العدد الرابع العشرون
نقله على الجهاز :
سفيان ابن عبد الله الجزائري – غفر الله له