الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن العنقري
( 1290 هـ - 1373 هـ )
الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن سليمان بن ناصر بن إبراهيم بن خنفر العنقري ويقال لعشيرته الأدنين ( آل عبد الرحمن ) , نسبه إلى جده ( عبد الرحمن بن محمد ) وآل عناقر عشيرة كبيرة من بني سعد بن زيد مناه أحد البطون الكبار في قبيلة تميم الشهيرة .
ولد المترجم في بلدة - ثرامداء - إحدى بلدان الوشم وهي بلدة بني سعد الذين منهم العناقر من قديم الزمان .
قال ياقوت : ( ثرمداء ماء لبني سعد في وادي الستارين ) .
وقال نصر : ( ثرمداء موضع بالوشم بناحية اليمامة وهو خير موضع بناحية اليمامة وهو خير موضع بالوشم ) . ا هـ .
وقال البكري : ( ثرمداء قرية بالوشم وإليها تنتهي أوديته جمعاء ) .
وهي لا تزال كما وصفها العلماء تقع من شقراء عاصمة الوشم من الناحية الجنوبية بنحو ثلاثين كيلو وشملتها نهضة المملكة العربية السعودية فأصبحت الآن مدينة كبيرة فيها معالم الحياة الحديثة ومرافقها .
ومن هذه البلدان تفرق العناصر في بلدان نجد ومن أشهر بطونهم آل معمر الذين أمراء مدينة العيينة وما حولها ثم أنفرض حكمهم لا يزالون أسرة مشهورة في نجد كما أن من الأسر الشهيرة من العناقر ( آل شبلي ) سكان مدينة عنيزة ومن العناقر آل أبو عليان صاروا رؤساء مدينة بريدة في القصيم ولا تزال بقاياهم في نجد ولكن رؤساء بلد ثرمداء حتى الآن هم عشيرة الشيخ المترجم .
ومن أقرب الأسر النجدية إلى عشيرة المترجم أصحاب المحلات التجارية في العراق والكويت والهند المعرفون ب ( آل إبراهيم ) والذين زعيمهم ( يوسف آل إبراهيم ) الذي قاوم الشيخ مبارك آل صباح في قصة معروفة فالشيخ يوسف هذا ابن عبد الله بن عيسى بن محمد بن إبراهيم بن ريمان بن إبراهيم وهنا يجتمع نسبة بنسب الشيخ المترجم .
ولد المترجم في بلدة ثرمداء عام 1290 هـ وقتل والده وله من العمر سنتان فنشأ في حجر والدته وأعمامه ولما بلغ السابعة من عمرة أصيب بالجداري ففقد بصره فعطفت عليه الكبرى من عماته وجعلته عند مقرئ في بلدتهم يقال له ( عبد الله بن ماجد ) كي يحفظه القرآن , كما اختارت له إمام البلدة أيضا ( حمد بن شعيل ) ليدرسه في مختصرات التوحيد والفقه حتى صار لديه مبادئ في العلوم الشرعية طيبة .
ولما بلغ السادسة عشر من عمره سافر إلى الرياض حيث العلماء الكبار فشرع في القراءة على العلامة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله وبالتفسير والحديث وأصولها كما أخذ الحديث على الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن والفقه على الشيخ محمد بن محمود والنحو واللغة العربية على الشيخ حمد بن فارس , وصار يترد بين بلدته ومدينة الرياض فيقضي الخريف والشتاء عند والدته في بلدة والربيع والصيف في الرياض للقراءة ومكث على هذه الحال أحد عشر عاما وكان مجدا مجتهدا في دروسه وتعلمه كما أنه موضع العناية من مشايخه لما توسموا فيه من الذكاء وما رأوا فيه من الإقبال .
هذا , وله في أول حياته مرائي تبشر بالخير نذكر بعضا منها , مما حدث به أخوه لأمه محمد العنقري فقد ذكر الشيخ أنه كان يمشي في سوق الحسينية في بلد ثرمداء فقابلة صفوة الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ومعه قدح مملوءة حليبا فناوله إياه وقال صلى الله عليه وسلم له : اشرب فشرب نصفه فألح عليه أن يشرب الباقي فشربة وقد أول هذه الرؤيا بالعلم الذي تعلمه وتضلع منه .
كما ذكرنا أنه اجتمع بالرؤيا مع الإمام أحمد رحمه الله وقرأ عليه شيئا من الفقه والحديث واجتمع بشيخ الإسلام ودرس عليه كذلك في الرؤيا وله من المرائي المبشرة الشيء الكثير .
وفي هذه الفترة من زمن طلبة للعلم توفى إمام مسجد بلدتهم ثرمداء حمد بن شعيل عام 1321 هـ فتعين بدله إماما في المسجد ومدرسا في مبادئ العلوم وأسندوا إليه مهمة الأمر بالمعرف وإجراء عقود الأنكحة وكتابة وثائق عقود المبايعات والإجارات في هذه البلدة .
فلما استولى الملك عبد العزيز على بلده المجمعة ومقاطعة سدير أتى به وعينه قاضيا لتلك المقاطعة فصار يتنقل في عمله بين بلدان سدير الكبار فتارة في المجمعة وتارة في الروضة وأخرى في الحوطة ومرة في جلاجل ثم تلك المقاطعة بلدانا أخرى كالزلفي ومبايض والإرطاوية فقام بها , حتى عين لهذه البلدان الزائدة على عمله قضاة .
وفي عام 1340 هـ , لما تجمعت بعض قبائل مطير وحرب وشمر وعتيبة وسبيع تحت قيادة فيصل بن سلطان الدويش واعتدوا على الأمير دعيج بن صباح والقبائل التابعة لابن صباح أمير الكويت في موارد مياه يقال لها ( حمض ) وكان بين الملك عبد العزيز - رحمه الله وابن صباح صداقة قديمة ومودة أصلية ومعاهدة حديثة أيضا على عدم اعتداء طرف على آخر إلا أن الدويش حمل الطمع على غزو ابن صباح وقبائله فغصب الملك عبد العزيز من هذا الاعتداء وأرسل الشيخ عبد الله العنقري والشيخ محمد بن عبد للطيف لإبلاغ الدويش بالعلاقات التي بين ابن سعود وابن صباح ويأمرانه بالكف عن الغارات على الكويت أو على ما هو تابع لآل الصباح وأن يرد ما أخذه منهم , فنجحت سفارة الشيخين وتم المقصود من ذلك .
وكذلك لما اشتدت صولة الإخوان في عام 1347 هـ , تلك الصولة الهمجية التي لا تستند إلى عقل ولا شرع وإنما هي من تحريض بعض أعداء المسلمين , عمل الملك عبد العزيز -رحمه الله تعالى - جميع الوسائل السليمة الحكمية معهم ومن جملتها أن بعث هذا العالم الكبير العاقل الفاهم لأمور الدين والدنيا قد استطار فلم تنجح مساعيه فخمدت الفتنة بتأديبهم حتى عادوا إلى الصواب .
وقام المترجم بأمور هامة كثيرة جداً في مجال السلم والحرب والصلح العام , وإسناد هذه الأمور الهامة إليه تدل على ما له من كمال الثقة من الملك عبد العزيز -رحمه الله - الذي يزن الرجال ويعرف أقدارهم وكمال الثقة من متشاريه من رجال الدين ورجال السياسة الذين وجدوا طلبتهم في هذا الرجل العاقل كما تدل على ما يتحلى به من خلق كريم وسياسة رشيدة وعقل راجح ونظر بعيد وعلم واسع .
وقال عنه الشيخ محمد بن مانع مدير المعارف سابقاً : ( هو العلامة المحدث الفقيه النحوي الشيخ عبد الله العنقري نشأ نشأة صالحة على محبة العلم والرغبة الشديدة في طلبه وتحقيقه والعمل به وجمع كتبه , حتى صار عنده مكتبة من أنفس المكتبات لاشتمالها على الكتب الخطية النادرة وقد أخذ العلم عن جماعة من علماء نجد , منهم الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ , وكان يسميه صاحب العمدتين عمدة الحديث للشيخ عبد الغني وعمدة الفقه للشيخ الموفق بن قدامه لأن هاتين العمدتين من محفوظاته , وكانت له عناية شديدة بالفقه الحنبلي فصار له آثار حميدة في التحقيق والتدقيق فقام بالتدريس والتأليف وكتابة الفتاوى المحررة التي سلك فيها مسلك التحقيق من ذكر الدليل والتعليل والترجيح لمارجحة الدليل من أقوال المجتهدين وقد ألف حاشية على الروض المربع وجمع بين حاشيتي المقنع المنسوبتين إلى العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ وهما تحت الطبع مع المقنع , وله تعاليق على نونية ابن القيم ) .
أما نشاطه العلمي فإنه مع الأعمال التي قام بها شغل أوقاته كلها في العلم مطالعة ومراجعة وبحثا وتدريسا للطلاب فقد قرأ عليه العدد الكبير من أهل العلم وتخرج عليه كثير من العلماء وانتفعوا به وإليك بعض مشاهير تلاميذه :
1 - الشيخ عبد الله بن زاحم , رئيس محاكم المدينة المنورة سابقا .
2 - الشيخ عبد العزيز بن صالخ رئيس محاكم المدينة المنورة وخطيب المسجد النبوي .
3 - الشيخ محمد الخيال , رئيس محاكم الإحساء سابقا .
4 - الشيخ عثمان إبراهيم الحقيل رئيس محاكم المنطقة الشرقية .
5 - الشيخ محمد بن علي البيز , رئيس المحكمة الكبرى بالطائف .
6 -الشيخ عبد الرحمن الدهيش قاضي محكمة قبة .
7 - الشيخ إبراهيم بن عبد العزيز السويح قاضي المقاطعة الشمالية ومؤلف : ( بيان الهدى والضلال على صاحب الأغلال
8 - الشيخ حمد الحقيل رئيس محكمة الخرج .
9 - الشيخ حمد بن مزيد .
10 - الشيخ سليمان بن جمهور .
11 - الشيخ عثمان بن ركبان .
12 - الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الجفن .
13- الشيخ عبد الله بن نوح .
14 - الشيخ حمد بن إبراهيم الخليل .
15 - الشيخ إبراهيم بن محمد الثميري .
16 - الشيخ أحمد السلمان .
17 - الشيخ عبد العزيز بن ربيعة أحد أعضاء محكمة التمييز .
18 - الشيخ عثمان بن عبد الله بن عتيق , قاضي المحكمة المستعجلة الثانية بالطائف .
19 - الشيخ سليمان بن حمدان المدارس في المسجد الحرام .
20 - الشيخ محمد بن علي التويجري ، أحد قضاة مستعجلة مكة المكرمة .
21 - الشيخ حمود بن عبد الله التويجري , صاحب المؤلفات المعروفة .
22 - الشيخ محمد بن عبد المحسن العنقري .
23 - الشيخ ناصر بن جعوان .
24 - الشيخ حمد المزيد .
25- الشيخ عبد الله الصانع .
26 - الشيخ عبد العزيز الثميري قاضي ابها .
27- الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن حمود التويجري .
28 - الشيخ حمد بن عبد الكريم بن شبان .
29 - الشيخ أحمد الصائغ .
30 - الأستاذ الشيخ عثمان بن ناصر الصالح .
وغير هؤلاء كثير من رجال العلم والقضاء .
أما آثاره التي خلفها فمنها :
1- حاشية على شرح الزاد , جمعها من كلام العلماء وبعض تقاريره وقد طبعت وغالبها منقول من حاشية عبد الوهاب بن فيروز , وبعد أن وقف النقل عن حاشية ابن فيروز في باب الشركة حيث وقف قلم ابن فيروز قلت الفائدة في حاشية العنقري .
2- تعليقات على النونية لابن القيم لا تزال مخطوطة .
3 - رسائل وأجوبة على أسئلة فقهية مفرقة في الرسائل والمسائل النجدية والدرر النسبية .
4 - كان كتاب المغني في الفقه للإمام ابن قدامه غير موجود كاملاً في نجد فسعى في جميع أجزائه منكل بلد ومن عند كل عالم , وحتى تم من ذلك نسخة كاملة فأمر نخبة من لأب العلم وأصحاب الخطوط الجميلة منهم الشيخ محمد أبيز والشيخ سليمان بن حمدان وعبد الله الدهيش , فاستحسنوا من نسخة كاملة فلما تم نسخها بعث النسخة إلى جلالة الملك عبد العزيز مع أخيه لأمة الشيخ محمد بن عبد المحسن العنقري ففرح بها الملك عبد العزيز وأمر بطبعها مع الشرح الكبير فطبعت بمطبعة المنار ووجود كتاب المغني عند العلماء غنيمة كبيرة فإنه لا يستغني عنه .
5 - جمع مكتبة كبيرة حافلة بنفائس المخطوطات , وحلفها بعده , وأظنها لا تزال عند أبنائه .
* وأخيرا عثرنا على ترجمه بقلم أخص تلاميذه وهو الشيخ سليمان بن حمدان فنضعها مع ما قلناه لمزيد الفائدة وتوثيق النص فقد قال -رحمه الله تعالى- :
"عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن سليمان بن ناصر العنقري يتصل نسبة إلى سعدبن زيد مناة بن تميم .
هكذا نسب لي نفسه بعد طلبي منه ذلك وهو شيخنا العالم العلامة المحقق والقدوة العمدة الفهامة المدفق المعرق في النسب والحسب والتمسك في الدين والعلم بأقوى سبب فريد دهره ووحيد وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره .
كانت قرية ثرمداء من قرى الوشم منزل آبائة من أزمنة متطاولة لا يعهد أولها وكانت إمارة القرية فيهم لا ينازعهم فيها منازع .
ولد المترجم لسبع بقين من شهر رجب سنة تسعين ومائتين وألف في قرية ( أثيثية ) بلد أخوله وإحدى قرى الوشم والمذكورة في كتب المعاجم ثم توفى والده وهو في الحولين قبل فطامه فنشأ يتيما في كفالة عمته قربته أحسن تربية ولما بلغ سن التمييز كف بصره على أثر الجداري فأدخلته الكتاب فحفظ القرآن عن ظهر قلب ثم حفظ جملة من المتون في فنون عديدة منها ثلاثة الأصول وكتاب التوحيد وكشف الشبهات وآداب المشي إلى الصلاة والواسيطية والتدمرية والحمولة والأربعون النووية وبلوغ المرام ومختصر المقنع والعمدة للموفق والرحبية والآجرومية والملحة وألفية ابن مالك والبيقونية والنخبة لابن حجر والورقات في الأصول للجويني والجزرية وغيرها حفظ هذه المتون وهو في ثرمداء قبل الانقطاع للطلب بالكلية .
وما زال ينتقل في مراتب الكمال من حسن إلى أحسن ويتزايد ذكاؤه .
وإذا رأيت من الهلال نموه أيقنت أن سيصير بدرا كاملاً .
حتى هزه الشوق إلى الرحلة في طلب العلم والتخرج بأكابر علماء وقته فسافر إلى الرياض عاصمة نجد سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف وهي إذا ذالك أهله بالعلماء الهادة الأعلام فأخذ عنهم ولازمهم طويلة حتى برع وصار آية في الفهم والذكاء .
فمن مشايخه الذين أخذ عنهم الشيخ الجليل عبد الله بن عبد اللطيف وأخوه الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن وكان الشيخ إسحاق قد أخذ عن جملة من علماء الهند وغيرهم من نجديين ومصرين فتخصص المترجم عليه في علم الحديث وأصوله وأصول الفقه والتجويد وتفقه أيضا بكل من الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود والشيخ سليمان بن سحمان علم التوحيد والعقائد الدينية وعن الشيخ سعد بن عتيق واستجازة فأجازه بجميع ما تجوز له روايته بشرطه .
ثم لما حج سنة ثمان وأربعين بعد الثلاثمائة والآلف اجتمع بشيخنا الشيخ عبد الستار بن عبد الوهاب الصديقي الحنيفي الدهلوي ثم المكي فاستجازه فأجابه إلى ذلك وكتب له إجازة عامة بجميع ما تجوز له عنه روايته بشرطة وأخذ عن جملة من المشائخ النجديين تركنا ذكرهم طلبا للاختصار .
وكان فيما بلغني بلقب بالحافظ , لما رزقه الله سرعة الحفظ وقوة الإدراك وكان مشايخه الذين أخذ عنهم يجلونه ويحترمونه هذا مع ما هو عليه الوقار والتعفف والتواضع وطرح التكليف وعدم مزاحمة أرباب المناصب عليها .
وكان مواظبا على قيام الليل وتلاوة القرآن كله ليلة ومديما على الأوراد والأدعية الماثوره وصدق اللجوء إلى الله والتوكل عليه وكان يجلس بعد صلاة الفجر في مصلاه يدعو الله ويذكره حتى تطلع الشمس , وآخر ساعة بعد العصر إلى قريب المغرب .
خرج به جماعة من الأفاضل منهم الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب ابن زاحم والشيخ الفاضل محمد بن عبد المحسن الخيال وعبد الرحمن ابن قاسم وممن أخذ عنه الشيخ عبد العزيز الثميري والشيخ حمد بن ناصر العسكر وكاتب الترجمة يعني الشيخ سليمان بن حمدان فقد لازمته ليلا ونهارا مدة طويلا لا تقل عن الخمس عشر سنة وسافرت في معيته مرتين وقرأت عليه في فنون عديدة في التوحيد والتفسير والحديث والفقه والنحو والفرائض واستجزاته فأجاز لي بإجازة مطولة هي نفس إجازة شيخنا الشيخ سعد بن عتيق له ومن مشايخه الذين أخذ عنهم وتفقه بهم مختومة بختمه الذاتي وقد اتصل لي بسنده التفقه في المذهب الحنبلي عن طريقي صاحب الإقناع والمنتهى وكنت اسهر عنده في العلم والبحث إلى الساعة الخامسة أو السادسة ليلا وكان مكرما لطلاب العلم ذا سؤال عنهم وتفقد لهم إذا غابوا .
وكان لا يمل من كثرة التدريس ذا تثبت في الجواب وتحر في الصواب .
له أجوبة سديدة على مسائل عديدة جمعها بعض الطلبة على حدة .
ولي قضاء سدير في صفر عام أربع وعشرين بعد الثلاثمائة والآلف ثم انتقل إلى بلد المجمعة وأعمالها والغاط بعد قتل عبد العزيز بن رشيد وانتهاء بيعته فأتوا إلى الملك عبد العزيز وطلبوا الدخول في طاعته فأجابهم إلى ذلك .
وولي المترجم قضاءها وكان محمود السيرة في ولايته بصيرا بفضل القضايا وإيصال الحقوق إلى مستحقها ولا يحيد عن الحكم بالحق إذا ظهر له .
وكان يؤثر الإصلاح بين الخصمين سيما إذا لم يظهر الصواب حتى أنه ربما أخر الفصل في القضية اياما حتى يميل الخصمان إلى الصلح وقد لاحظت ذلك منه مرارا وكنت أقول في نفسي هذا أمر لا ينبغي لأن فيه تعطيلا للمشاكل بدون حل حتى وقفت على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( دعوا الخصوم حتى لعلهم أن يصلحوا فإنه آثر للصدق وأقل للخيانة .
وفي لفظ : ( ردوا الخصوم إلى قراهم فإن فصل القضاء يورث بينهم الثنان )
فرجعت عن قولي وعلمت أن الشيخ على الحق وكان محبوبا بين الناس الخاصة والعامة ذا وقار وهيبة وقد حج مرات عديدة .
وفي سنة 1340 هـ قام في فتنة فيصل الدويش ومن معه بمقامات تذكر فتشكر له وسعى بينهم وبين ولي امر في الصلح حرصا على حقن الدماء فما تم له ما أراد لما سبق به القضاء في الأزل وكان له المقام الأرفع ومزيد الاحترام عند الإمام عبد العزيز حتى إنه بعد وفاة شيخنا الشيخ سعد بن حمد بن عتيق رحمه الله طلبة عوضا عنه وأن يكون مرجعا في بلد الرياض والح عليه فاعتذر فقبل عذرة ولو ظفر بهذا المنصب بعض الناس لجالدوا عليه بالسيوف .
ثم إنه عن قضاء المجمعة في 30 / 10 / 1360 هـ .
وفاته:
ظل في القضاء ستا وثلاثين سنة حتى إذا تقدمت به السن وأرهقه الكبر طلب الإعفاء منه فأعفى وتفرغ لنشر العلم بالتدريس والتأليف ولم يزل على حالة الحميدة حتى انتقل إلى رحمة الله في اليوم السادس من صفر عام 1373 هـ , في بلد المجمعة وهو في الثالثة والثمانين من عمره .
ولمحبته عند العامة وتقديره عند الخاصة وكبير قدرة ورفعة منزلته صار لموته دوي كبير وحزن عام بالغ ولا زال مذكورا بعلمه وعمله وقد لف أربعة أبناء : عبد الرحمن ومحمد وسعد وصالح , أما ابنه الخامس فهو عبد العزيز فقد صار من طلاب العلم المدركين وكتب بخطة الحسن الكثير من كتب العلم وتوفى قبل والده عام 1350 هـ . رحمه الله تعالى".
منقول.