عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 01-11-2014, 10:16 PM
عبد السلام الجزائري عبد السلام الجزائري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 126
شكراً: 33
تم شكره 4 مرة في 4 مشاركة
إرسال رسالة عبر Skype إلى عبد السلام الجزائري
افتراضي

مجلة البحوث الإسلامية

http://m-noor.com/attachment.php?att...1&d=1389479453

مجلة البحوث الإسلامية
العدد الثاني والسبعون
الإصدار : من ربيع الأول إلى جمادى الثانية لسنة 1425هـ
البحوث
التأصيل الفقهي للتورق في ضوء الاحتياجات التمويلية المعاصرة
التواطؤ على التورق في معاملة واحدة أو في معاملة تالية لإطفاء مديونية سابقة مماثلة
4 - التواطؤ على التورق في معاملة واحدة أو في معاملة تالية لإطفاء مديونية سابقة مماثلة وأثره في الحكم .
لعل مفهوم من التواطؤ على التورق في معاملة واحدة أن يشتري أحد الناس سلعة من آخر بثمن مؤجل لغرض بيعها والانتفاع بثمنها دون أن يكون له غرض في سداد مديونية عليه لمن باعه فإذا كان هذا هو المفهوم فلا يظهر لي مانع في إجازة هذا البيع ولو كان غرض المشتري الانتفاع بالثمن ولكن بشرط ألا يبيع السلعة على من باعه إياها بحيث تكون من بيوع العينة .
وسواء أكان ذلك عن طريق تواطؤ بين الطرفين وذلك بإفصاح المشتري عن رغبته إلى البائع للانتفاع بثمن ما اشتراه منه أو
لم يكن عن طريق تواطؤ حيث إن هذا البيع لا يخرج عن مسمى البيع الحلال لانتفاع القصد و التحيل به إلى الربا ولانتفاع صورة الربا في ذلك .
وأما إذا كان الغرض من التورق إطفاء مديونية سابقة للبائع على المشتري فهذا ما يسمى بقلب الدين على المدين ، وقد أفتى مجموعة من أهل العلم بمنع ذلك لما يفضي إليه من نتيجة ما يفضي إليه المسلك الجاهلي من أخذهم بمقتضى : أتربي أم تقضي ؟
ولما في ذلك من مخالفة صريحة لأمر الله بقوله تعالى : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ فالأمر في الإنظار يقتضي الوجوب .
وممن قال بمنع ذلك مجموعة من علماء السلف ومنهم الإمام مالك رحمه الله ، فقد سئل الشيخ عبد الله أبابطين عن حكم قلب الدين فأجاب بإجابات متعددة ومن إجاباته رحمه الله ما نصه : ( ( ونذكر لكم صورة من صور قلب الدين ذكرها الإمام مالك في الموطأ يفعلها بعض الناس إذا صار له على آخر مائة مثلا وطلبها منه قال : ما عندي نقد لكن بعني سلعة بثمن مؤجل كما يقول بعضهم العشر اثني عشر فيبيعه سلعة بمائة وعشرين مؤجلة تساوي مائة نقدا ثم يبيعها المشتري ويعطيه ثمنها مائة . قال مالك رحمه الله : في الرجل يكون له على الرجل مائة
دينار إلى أجل فإذا حلت قال الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل ) )
قال مالك : هذا بيع لا يصلح ولم يزل أهل العلم ينهون عنه .
قال إنما كره ذلك ، لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكره له آخر مدة ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه . فهذا مكروه ولا يصلح وهو يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قالوا للذي عليه الدين : إما أن تقضي وإما أن تربي " فإن قضى أخذوا وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل " ا هـ .
ثم ذكر الشيخ عبد الله أبابطين " أن السلف يعبرون كثيرا بالكراهية فيما هو محرم عندهم " ا هـ .
وقد قال بمثل هذا القول مجموعة من علماء نجد وغيرهم لما يترتب على ذلك من أيلولة هذه الصورة إلى ربات الجاهلية المشتمل على الظلم والعدوان واستغلال الاضطرار والإكراه والضعف ويمكن أن يخص هذا الحكم بقلب الدين على المدين المعسر .
أما إذا كان الدين على مليء إلا أنه في حاجة إلى الاستزادة من التمويل لتوسيع نشاطه الاستثماري فهذه الحال محل نظر واجتهاد . وقد أجاز هذه الصورة مجموعة من الهيئات الرقابية
الشريعة للمؤسسات المالية لانتفاء المحاذير الشريعة في الاضطرار وفي استغلال الضعف والحاجة ولانتفاء صورة الربا وحقيقة .

الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
/////////////////////////////////////////////
ابحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
>المجلد الرابع
>إصدار : سنة 1421 هـ
>2001 م>التأمين
>ذكر اختلاف الباحثين في حكمه وأدلة كل فريق منهم مع المناقشة
>رأى بعض العلماء المعاصرين التفصيل بين أنواع التأمين في الحكم
الرأي الثالث :
رأى بعض العلماء المعاصرين التفصيل بين أنواع التأمين في الحكم ، فحرم التأمين على الحياة أو بعض أعضاء الجسم ؛ كالحنجرة أو الأصابع .
واستدل على ذلك ببعض ما استدل به المانعون للتأمين التجاري مطلقا من كونه قمارا ، ونوعا من بيوع الغرر ، ومتضمنا بيع دراهم بدراهم مثلا نسيئة مع التفاضل ، وأباح التأمين على السيارات من الحوادث التي تصاب بها وما تصيب به غيرها من الأضرار في النفوس والأموال ، واستدل على ذلك ببعض ما استدل به المجيزون للتأمين التجاري مطلقا من كونه من باب التعاون والوفاء بالعقود ، وقد أمر الله بذلك ، وكون الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم دليل على المنع ، ولم ينهض دليل على منع عقود التأمين ، وقاسه على ضمان السوق وضمان المجهود ، ومن كونه مصلحة ولشدة حاجة الناس إليه ، وناقش كل أدلة مخالفيه بما ناقش كل من الفريقين السابقين مخالفه فلذا اكتفت اللجنة بما تقدم من استدلال الفريقين ، ومناقشتها خشية الإطالة بما لا جدوى فيه .
وسلك جماعة في التفصيل طريقا أخرى هي الفرق بين ما كان من عقود التأمين خاليا من الربا فيجوز ، وما كان منها مشتملا على الربا إلا إذا دعت الضرورة إليه فيرخص فيه مؤقتا حتى تتاح الفرصة للتخلص مما فيه الربا ، وقد تقدم استدلال المانعين وجه اشتمال عقود التأمين على الربا ، ومناقشة المجيزين لذلك فلا نطيل بذكره خشية التكرار .
وتردد بعض العلماء المعاصرين في الحكم على التأمين التجاري بحل وبحرمة ورأى أن هذه المسألة عامة ولها أهمية كبرى فينبغي أن لا تترك لفرد
يفتي فيها ، بل يجب على علماء العصر أن يوفروا جهودهم ويكدسوها لبحثها ، وأن يتعاونوا على حل مشاكلها ، لينتهوا من بحثهم إلى رأي واضح يذهب ببلبلة الأفكار ويقضي على اختلاف الآراء أو يحد من كثرتها ويخفف من شدتها . ومن نظر في هذا لم يجد فيه حكما موافقا أو مخالفا لما تقدم وإنما هو نصيحة لعلماء العصر ومشورة عليهم بما يجب أن يعملوه وإرشاد إلى الطريق التي يجب أن يسلكوها لحل المشكل والوصول إلى نتيجة مرضية .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قاعدة في المعاقد حلالها وحرامها تتعلق بما سبق من الأدلة - رأينا أن نتبعها ما تقدم ؛ لما تشتمل عليه من زيادة البيان .
قال رحمه الله تعالى : فصل : القاعدة الثانية : في المعاقد حلالها وحرامها .
والأصل في ذلك : أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل ، وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ، وذم اليهود على أخذهم الربا وقد نهوا عنه ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل في المعاوضات والتبرعات ، وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق .
وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ، ذكرهما الله في كتابه هما : الربا ، والميسر ، فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر سورة البقرة ، وسور : آل عمران ، والروم ، والمدثر ، وذم اليهود عليه في سورة النساء ، وذكر تحريم الميسر في سورة المائدة ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما
جمعه الله في كتابه ، فنهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ، كما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه .
والغرر : هو المجهول العاقبة ، فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار ، وذلك : أن العبد إذا أبق ، أو الفرس أو البعير إذا شرد ، فإن صاحبه إذا باعه فإنما يبيعه مخاطرة ، فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير ، فإن حصل له قال البائع : قمرتني ، وأخذت مالي بثمن قليل ، وإن لم يحصل قال المشتري : قمرتني وأخذت الثمن مني بلا عوض ، فيفضي إلى مفسدة الميسر التي هي إيقاع العداوة والبغضاء ، مع ما فيه من أكل المال بالباطل ، الذي هو نوع من الظلم ، ففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء ، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع حبل الحبلة والملاقيح والمضامين ومن بيع السنين وبيع الثمر قبل بدو صلاحه ، وبيع الملامسة والمنابذة ونحو ذلك - كله من نوع الغرر .
وأما الربا : فتحريمه في القرآن أشد ؛ ولهذا قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر ، كما خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم ، وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا كما يربي الصدقات ، وكلاهما أمر مجرب عند الناس ، وذلك : أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج ، وإلا فالموسر لا يأخذ ألفا حالة بألف ومائتين مؤجلة
إذا لم يكن له حاجة لتلك الألف ، وإنما يأخذ المال بمثله وزيادة إلى أجل من هو محتاج إليه ، فتقع تلك الزيادة ظلما للمحتاج ، بخلاف الميسر ، فإن المظلوم فيه غير مفتقر ، ولا محتاج إلى العقد ، وقد تخلو بعض صوره عن الظلم إذا وجد في المستقبل المبيع على الصفة التي ظناها ، والربا فيه ظلم محقق لمحتاج ، وبهذا كان ضد الصدقة ، فإن الله لم يدع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء ، فإن مصلحة الغني والفقير في الدين والدنيا لا تتم إلا بذلك فإذا أربى معه ، فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه دينه وظلمه زيادة أخرى والغريم محتاج إلى دينه ، فهذا من أشد أنواع الظلم ، ولعظمته : لعن النبي صلى الله عليه وسلم أكله ، وهو الأخذ ، وموكله وهو المحتاج المعطي للزيادة ، وشاهديه وكاتبه ، لإعانتهم عليه .
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أشياء مما يخفى فيها الفساد لإفضائها إلى الفساد المحقق ، كما حرم قليل الخمر ؛ لأنه يدعو إلى كثيرها مثل ربا الفضل فإن الحكمة فيه قد تخفى إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف الصفات مثل : كون الدرهم صحيحا ، والدرهمين مكسورين ، أو كون الدرهم مصوغا أو من نقد نافق ونحو ذلك ، ولذلك خفيت حكمة تحريمه على ابن عباس ومعاوية وغيرهما ، فلم يروا به بأسا ، حتى أخبرهم الصحابة الأكابر- كعبادة بن الصامت وأبي سعيد وغيرهما - بتحريم النبي صلى الله عليه وسلم لربا الفضل .
وأما الغرر : فإنه ثلاثة أنواع : إما المعدوم ؛ كحبل الحبلة ، وبيع السنين ، وإما المعجوز عن تسليمه ؛ كالعبد الآبق ، وإما المجهول المطلق ، أو المعين المجهول جنسه أو قدره ؛ كقوله : بعتك عبدا أو بعتك
ما في بيتي ، أو بعتك عبيدي . فأما المعين المعلوم جنسه وقدره المجهول نوعه أو صفته ؛ كقوله : بعتك الثوب الذي في كمي ، أو العبد الذي أملكه ونحو ذلك - ففيه خلاف مشهور ، وتغلب مسألة بيع الأعيان الغائبة ، وعن أحمد فيه ثلاث روايات ، إحداهن : لا يصح بيعه بحال ، كقول الشافعي في الجديد ، والثانية : يصح وإن لم يوصف ، وللمشتري الخيار إذا رآه ، كقول أبي حنيفة ، وقد روي عن أحمد : لا خيار له . والثالثة : - وهي المشهور - أنه يصح بالصفة ، ولا يصح بدون الصفة ، كالمطلق الذي في الذمة ، وهو قول مالك .
ومفسدة الغرر أقل من الربا ، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه ، فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار جملة ، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس ، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع ، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن ، وإن كان قد نهي عن بيع الحمل مفردا ، وكذلك اللبن عند الأكثرين ، وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها ، فإنه يصح ، مستحق الإبقاء ، كما دلت عليه السنة ، وذهب إليه الجمهور ؛ كمالك والشافعي وأحمد ، وإن كانت الأجزاء التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد .
وجوز النبي صلى الله عليه وسلم إذا باع نخلا قد أبرت : أن يشترط المبتاع ثمرتها فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها ، لكن على وجه البيع للأصل . فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره .
ولما احتاج الناس إلى العرايا رخص في بيعها بالخرص ، فلم يجوز المفاضلة المتيقنة ، بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه
الحاجة ، وهو قدر النصاب خمسة أوسق أو ما دون النصاب ، على اختلاف القولين للشافعي وأحمد ، وإن كان المشهور عن أحمد ما دون النصاب .
إذا تبين ذلك : فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره ، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال : هو أفقه الناس في البيوع ، كما كان يقال : عطاء أفقه الناس في المناسك ، وإبراهيم أفقههم في الصلاة ، والحسن أجمعهم لذلك كله ؛ ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فضل فيه لمن استقرأ ذلك من أجوبته ، والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب . فإنهما يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشديد ؛ لما تقدم من شدة تحريمه وعظم مفسدته ، ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق ، حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه ، وإن لم تكن حيلة ، وإن كان مالك يبالغ في سد الذرائع ما لا يختلف قول أحمد فيه أو لا يقوله ، لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيل كلها .
وجماع الحيل نوعان : إما أن يضموا إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود أو يضموا إلى العقد عقدا ليس بمقصود .
فالأول : مسألة ( مد عجوة ) وضابطها : أن يبيع ربويا بجنسه ، ومعهما أو مع أحدهما ما ليس من جنسه ، مثل أن يكون غرضهما بيع فضة بفضة متفاضلا ونحو ذلك فيضم إلى الفضة القليلة عوضا آخر ، حتى يبيع ألف دينار في منديل بألفي دينار .
فمتى كان المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا حرمت مسألة ( مد عجوة ) بلا خلاف عند مالك وأحمد وغيرهما ، وإنما يسوغ مثل هذا من جوز الحيل من الكوفيين ، وإن كان قدماء الكوفيين يحرمون هذا . وأما إن
كان كلاهما مقصودا كمد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم ، أو مدين أو درهمين ففيه روايتان عن أحمد ، والمنع : قول مالك والشافعي ، والجواز : قول أبي حنيفة ، وهي مسألة اجتهاد .
وأما إن كان المقصود من أحد الطرفين غير الجنس الربوي ، كبيع شاة ذات صوف أو لبن بصوف أو لبن : فأشهر الروايتين عن أحمد الجواز .
والنوع الثاني من الحيل : أن يضما إلى العقد المحرم عقدا غير مقصود ، مثل أن يتواطآ على أن يبيعه الذهب بخرزه ثم يبتاع الخرز منه بأكثر من ذلك الذهب ، أو يواطئا ثالثا على أن يبيع أحدهما عرضا ، ثم يبيعه المبتاع لمعامله المرابي ثم يبيعه المرابي لصاحبه ، وهي الحيلة المثلثة أو يقرن بالقرض محاباة في بيع أو إجارة أو مساقاة ونحو ذلك ، مثل أن يقرضه ألفا ويبيعه سلعة تساوي عشرة بمائتين ، أو يكريه دارا تساوي ثلاثين بخمسة ونحو ذلك .
فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة التي حرم الله من أجلها الربا ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال : لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وهو من جنس حيل اليهود ، فإنهم إنما استحلوا الربا بالحيل ، ويسمونه : المشكند ، وقد لعنهم الله على ذلك .
وقد روى ابن بطة بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ، وفي الصحيحين عنه أنه قال : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها ، وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : من
أدخل فرسا بين فرسين - وهو لا يأمن أن يسبق - فليس قمارا ، ومن أدخل فرسا بين فرسين - وقد أمن أن يسبق - فهو قمار ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله .
ودلائل تحريم الحيل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة ، ذكرنا منها نحوا من ثلاثين دليلا فيما كتبناه في ذلك ، وذكرنا ما يحتج به من يجوزها ؛ كيمين أبي أيوب ، وحديث تمر خيبر ، ومعاريض السلف ، وذكرنا جواب ذلك .
ومن ذرائع ذلك : مسألة العينة ، وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل ، ثم يبتاعها منه بأقل من ذلك ، فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين ؛ لأنها حيلة ، وقد روى أحمد وأبو داود بإسنادين جيدين عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا تبايعتم بالعينة ، واتبعتم أذناب البقر ، وتركتم الجهاد في سبيل الله أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم ، وإن لم يتواطآ فإنهما يبطلان البيع الثاني ، سدا للذريعة ، ولو كانت عكس مسألة العينة من غير تواطؤ ففيه روايتان عن أحمد ، وهو أن يبيعه حالا ثم يبتاع منه بأكثر مؤجلا ، وأما مع التواطؤ فربا محتال عليه .
ولو كان مقصود المشتري الدرهم وابتاع السلعة إلى أجل ؛ ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذا يسمى : التورق . ففي كراهته عن أحمد رواية
والكراهة قول عمر بن عبد العزيز و مالك ، فيما أظن ، بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة ، أو غرضه الانتفاع أو القنية ، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق .
ففي الجملة : أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما مراعين لمقصود الشريعة وأصولها ، وقولهم في ذلك هو الذي يؤثر مثله عن الصحابة ، وتدل عليه معاني الكتاب والسنة .
وأما الغرر : فأشد الناس فيه قولا أبو حنيفة والشافعي ، أما الشافعي : فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من الفقهاء ، مثل الحب والثمر في قشره الذي ليس بصوان ؛ كالباقلاء والجوز واللوز في قشره الأخضر ، وكالحب في سنبله ، فإن القول الجديد عنده : أن ذلك لا يجوز ، مع أنه قد اشترى في مرض موته باقلاء أخضر ، فخرج ذلك له قولا ، واختاره طائفة من أصحابه كأبي سعيد الإصطخري " وروي عنه أنه ذكر له : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد فدل على جواز بيعه بعد اشتداده ، وإن كان في سنبله فقال : إن صح هذا أخرجته من العام أو كلاما قريبا من هذا ، وكذلك ذكر أنه رجع عن القول بالمنع .
قال ابن المنذر : جواز ذلك هو قول مالك وأهل المدينة ، وعبيد الله بن الحسن وأهل البصرة وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي . وقال الشافعي مرة : لا يجوز ، ثم بلغه حديث ابن عمر ، فرجع عنه وقال به ، قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا يعدل عن القول به .
وذكر بعض أصحابه له قولين . وأن الجواز هو القديم ، حتى منع من بيع الأعيان الغائبة بصفة وغير صفة ، متأولا إن بيع الغائب غرر وإن وصف ،
حتى اشترط فيما في الذمة - كدين السلم - من الصفات وضبطها ما لم يشترطه غيره ؛ ولهذا يتعذر أو يتعسر على الناس المعاملة في العين والدين بمثل هذا القول ، وقاس على بيع الغرر جميع العقود ، من التبرعات والمعاوضات فاشترط في أجرة الأجير ، وفدية الخلع والكتابة ، وصلح أهل الهدنة ، وجزية أهل الذمة - ما اشترطه في البيع عينا ودينا ، ولم يجوز في ذلك جنسا وقدرا وصفة إلا ما يجوز مثله في البيع ، وإن كانت هذه العقود لا تبطل بفساد أعواضها ، أو يشترط لها شروط أخر .
وأما أبو حنيفة : فإنه يجوز بيع الباقلاء ونحوه في القشرين ، ويجوز إجارة الأجير بطعامه وكسوته ، ويجوز أن تكون جهالة المهر كجهالة مهر المثل ، ويجوز بيع الأعيان الغائبة بلا صفة ، مع الخيار ؛ لأنه يرى وقف العقود ، لكنه يحرم المساقاة والمزارعة ونحوهما من المعاملات مطلقا ، والشافعي يجوز بيع بعض ذلك ، ويحرم أيضا في البيع والإجارة والنكاح وغير ذلك مما يخالف مطلق العقد .
وأبو حنيفة يجوز بعض ذلك ، ويجوز من الوكالات والشركات ما لا يجوزه الشافعي ، حتى جوز شركة المفاوضة والوكالة بالمجهول المطلق .
وقال الشافعي : إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فما أعلم شيئا باطلا .
فبينهما في هذا الباب عموم وخصوص ، لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول أبي حنيفة في ذلك .
وأما مالك : فمذهبه أحسن المذاهب في هذا ، فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة ، أو يقل غرره ، بحيث يحتمل في العقود ، حتى يجوز بيع المقاتي جملة ، وبيع المغيبات في الأرض ، كالجزر
والفجل ونحو ذلك .
وأحمد قريب منه في ذلك ، فإنه يجوز هذه الأشياء ، ويجوز - على المنصوص عنه - أن يكون المهر عبدا مطلقا ، أو عبدا من عبيده ونحو ذلك مما لا تزيد جهالته على مهر المثل ، وإن كان من أصحابه من يجوز المبهم دون المطلق ، كأبي الخطاب ، ومنهم من يوافق الشافعي ، فلا يجوز في المهر وفدية الخلع ونحوهما إلا ما يجوز في المبيع ، كأبي بكر عبد العزيز ، ويجوز - على المنصوص عنه - في فدية الخلع أكثر من ذلك ، حتى ما يجوز في الوصية وإن لم يجز في المهر ، كقول مالك مع اختلاف في مذهبه ، ليس هذا موضعه ، لكن المنصوص عنه : أنه لا يجوز بيع المغيب في الأرض ، كالجزر ونحوه إلا إذا قلع ، وقال : هذا الغرر شيء ليس يراه ، كيف يشتريه ؟ والمنصوص عنه : أنه لا يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان ونحوه إلا لقطة لقطة ، ولا يباع من المقاتي والمباطخ إلا ما ظهر دون ما بطن ، ولا تباع الرطبة إلا جزة جزة ؛ كقول أبي حنيفة والشافعي ؛ لأن ذلك غرر ، وهو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها .
ثم اختلف أصحابه : فأكثرهم أطلقوا ذلك في كل مغيب ؛ كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك ، كقول الشافعي وأبي حنيفة .
وقال الشيخ أبو محمد : إذا كان مما يقصد فروعه وأصوله ؛ كالبصل المبيع أخضر ، والكراث والفجل ، أو كان المقصود فروعه . فالأولى جواز بيعه ؛ لأن المقصود منه ظاهر فأشبه الشجر والحيطان ، ويدخل ما لم يظهر في المبيع تبعا ، وإن كان معظم المقصود منه أصوله لم يجز بيعه في الأرض ؛ لأن الحكم للأغلب ، وإن تساويا لم يجز أيضا ؛ لأن الأصل
اعتبار الشرط ، وإنما سقط في الأقل التابع .
وكلام أحمد يحتمل وجهين ، فإن أبا داود قال : قلت لأحمد : بيع الجزر في الأرض ؟ قال : لا يجوز بيعه إلا ما قلع منه ، هذا الغرر ، شيء ليس يراه ، كيف يشتريه ؟ فعلل بعدم الرؤية .
فقد يقال : إن لم ير كله لم يبع . وقد يقال : رؤية بعض المبيع تكفي إذا دلت على الباقي كرؤية وجه العبد .
وكذلك اختلفوا في المقاتي إذا بيعت بأصولها . كما هو العادة غالبا .
فقال قوم من المتأخرين : يجوز ذلك ؛ لأن بيع أصول الخضروات كبيع الشجر ، وإذا باع الشجرة وعليها الثمر لم يبد صلاحه جاز . فكذلك هذا . وذكر أن هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي .
وقال المتقدمون : لا يجوز بحال ، وهو معنى كلامه ومنصوصه . وهو إنما نهى عما يعتاده الناس ، وليست العادة جارية في البطيخ والقثاء والخيار : أن يباع دون عروقه ، والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع عنده . فإن المنصوص عنه في رواية الأثرم ، وإبراهيم بن الحارث في الشجر الذي عليه ثمر لم يبد صلاحه : إنه إن كان الأصل هو مقصوده الأعظم جاز ، وأما إن كان مقصوده الثمرة فاشترى الأصل معها حيلة لم يجز ، وكذلك إذا اشترى أرضا وفيها زرع أو شجر مثمر لم يبد صلاحه ، فإن كانت الأرض هي المقصود جاز دخول الثمر والزرع معها تبعا ، وإن كان المقصود هو الثمر والزرع ، فاشترى الأرض لذلك لم يجز . وإذا كان هذا قوله في ثمرة الشجر ، فمعلوم أن المقصود من المقاتي والمباطخ : إنما هو الخضروات دون الأصول التي ليس لها إلا قيمة يسيرة بالنسبة إلى الخضر .
وقد خرج ابن عقيل وغيره فيها وجهين :
أحدهما : كما في جواز بيع المغيبات بناء على إحدى الروايتين عنه في بيع ما لم يره . ولا شك أنه ظاهر ، فإن المنع إنما يكون على قولنا : لا يصح بيع ما لم يره . فإذا صححنا بيع الغائب فهذا من الغائب .
والثاني : أنه يجوز بيعها مطلقا ، كمذهب مالك ، إلحاقا لها بلب الجوز . وهذا القول هو قياس أصول أحمد وغيره لوجهين :
أحدهما : أن أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه ، والمرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة به وهم يقرون بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما يعرفون غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأولى .
الثاني : أن هذا مما تمس حاجة الناس إلى بيعه . فإنه إذا لم يبع حتى يقلع حصل على أصحابه ضرر عظيم . فإنه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة فيه . وإن قلعوه جملة فسد بالقلع ، فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما في قشره الأخضر .
وأحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة لحاجة المشتري إلى أكل الرطب ، أو البائع إلى أكل التمر ، فحاجة البائع هنا أوكد بكثير وسنقرر ذلك إن شاء الله .
وكدلك قياس أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث : جواز بيع المقاتي باطنها وظاهرها ، وإن اشتمل ذلك على بيع معدوم إذا بدا صلاحها ، كما يجوز بالاتفاق إذا بدا صلاح بعض نخلة أو شجرة : أن يباع جميع ثمرها . وإن كان فيها ما لم يصلح بعد .
وغاية ما اعتذروا به عن خروج هذا من القياس أن قالوا : إنه لا يمكن إفراد البيع لذلك من نخلة واحدة ؛ لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت بغيرها في يوم واحد ؛ لأن البسرة تصفر في يومها ، وهذا بعينه موجود في المقتاة . وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي وأحمد عن بيع المعدوم تبعا بأن ما يحدث من الزيادة في الثمرة بعد العقد ليس بتابع للموجود ، وإنما يكون ذلك للمشتري ؛ لأنه موجود في ملكه . والجمهور من الطائفتين يعلمون فساد هذا العذر ؛ لأنه يجب على البائع سقي الثمرة ، ويستحق إبقاءها على الشجر بمطلق العقد ، ولو لم يستحق الزيادة بالعقد لما وجب على البائع ما به تؤخذ ، فإن الواجب على البائع بحكم البيع توفية المبيع الذي أوجبه العقد ، لا ما كان من موجبات الملك .
وأيضا : فإن الرواية اختلفت عن أحمد إذا بدا الصلاح في حديقة من الحدائق هل يجوز بيع جميعها أم لا يباع إلا ما صلح منها ؟ على روايتين :
أشهرهما عنه : أنه لا يباع إلا ما بدا صلاحه ، وهي اختيار قدماء أصحابه ؛ كأبي بكر وابن شاقلا .
والرواية الثانية : يكون بدو الصلاح في البعض صلاحا للجميع . وهي اختيار أكثر أصحابه ؛ كابن حامد والقاضي ومن تبعهما .
ثم المنصوص عنه في هذه الرواية أنه قال : إذا كان في بستان بعضه بالغ وبعضه غير بالغ بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ ، فمنهم من فرق بين صلاح القليل والكثير ، كالقاضي أخيرا وأبي حكيم النهرواني ، وأبي البركات وغيرهم ممن قصر الحكم بما إذا غلب الصلاح ، ومنهم من سوى بين الصلاح القليل والكثير ، كأبي الخطاب وجماعات ، وهو قول مالك
والشافعي والليث ، وزاد مالك فقال : يكون صلاحا لما جاوره من الأقرحة . وحكوا ذلك رواية عن أحمد .
واختلف هؤلاء : هل يكون صلاح النوع - كالبرني من الرطب - صلاحا لسائر أنواع الرطب على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد . أحدهما : المنع ، وهو قول القاضي وابن عقيل وأبي محمد . والثاني : الجواز ، وهو قول أبي الخطاب . وزاد الليث على هؤلاء فقال : صلاح الجنس كالتفاح واللوز يكون صلاحا لسائر أجناس الثمار . ومأخذ من جوز شيئا من ذلك : أن الحاجة تدعو إلى ذلك . فإن بيع بعض ذلك دون بعض يفضي إلى سوء المشاركة ، واختلاف الأيدي ، وهذه علة من فرق بين البستان الواحد والبساتين ، ومن سوى بينهما ، فإنه قال : المقصود الأمن من العاهة ، وذلك يحصل بشروع الثمر في الصلاح . ومأخذ من منع ذلك : أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : حتى يبدو صلاحها يقتضي بدو صلاح الجميع .
والغرض من هذا المذهب : أن من جوز بيع البستان من الجنس الواحد لبدو الصلاح في بعضه ، فقياس قوله : جواز بيع المقتاة إذا بدا صلاح بعضها . والمعدوم هنا فيها كالمعدوم من أجزاء الثمرة ، فإن الحاجة تدعو إلى ذلك أكثر ، إذ تفريق الأشجار في البيع أيسر من تفريق البطيخات والقثاءات والخيارات ، وتمييز اللقطة عن اللقطة لو لم يشق ، فإنه أمر لا ينضبط . فإن اجتهاد الناس في ذلك متفاوت .
والغرض من هذا : أن أصول أحمد تقتضي موافقة مالك في هذه المسائل ، كما قد روي عنه في بعض الجوابات أو قد خرجه أصحابه على أصوله ، وكما أن العالم من الصحابة والتابعين والأئمة كثيرا ما يكون له في
المسألة الواحدة قولان في وقتين ، فكذلك يكون له في النوع الواحد من المسائل قولان في وقتين ، فيجيب في بعض أفرادها بجواب في وقت ويجيب في بعض الأفراد بجواب آخر في وقت آخر . وإذا كانت الأفراد مستوية وكان له فيها قولان ، فإن لم يكن بينهما فرق يذهب إليه مجتهد فقوله فيها واحد بلا خلاف ، وإن كان مما قد يذهب إليه مجتهد فقالت طائفة منهم أبو الخطاب : لا يخرج ، وقال الجمهور : - كالقاضي أبي يعلى - يخرج الجواب ، إذا لم يكن هو ممن يذهب إلى الفرق كما اقتضته أصوله ، ومن هؤلاء من يخرج الجواب إذا رآهما مستويين ، وإن لم يعلم هل هو ممن يفرق أم لا ، وإن فرق بين بعض الأفراد وبعض مستحضرا لهما ، فإن كان سبب الفرق مأخذا شرعيا : كان الفرق قولا له ، وإن كان سبب الفرق مأخذا عاديا أو حسيا ونحو ذلك مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ذلك ، فهذا في الحقيقة لا يفرق بينهما شرعا ، وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم يعلمه العالم ، فإن العلماء ورثة الأنبياء ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنتم أعلم بأمر دنياكم ، فأما ما كان من أمر دينكم فإلي .

وهذا الاختلاف في عين المسألة أو نوعها من العلم قد يسمى تناقضا أيضا ؛ لأن التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والإثبات ، فإذا كان في وقت قد قال : إن هذا حرام . وقال في وقت آخر فيه أو في مثله : إنه ليس بحرام ، أو قال ما يستلزم أنه ليس بحرام - فقد تناقض قولاه . وهو مصيب في كليهما
عند من يقول : كل مجتهد مصيب ، وإنه ليس لله في الباطن حكم على المجتهد غير ما اعتقده .
وأما الجمهور الذين يقولون : إن لله حكما في الباطن ، علمه العالم في إحدى المقالتين ولم يعلمه في المقالة التي تناقضها ، وعدم علمه به مع اجتهاده مغفور له ، مع ما يثاب عليه من قصده للحق واجتهاده في طلبه ؛ ولهذا يشبه بعضهم تعارض الاجتهادات من العلماء بالناسخ والمنسوخ في شرائع الأنبياء ، مع الفرق بينهما بأن كل واحد من الناسخ والمنسوخ ثابت بخطاب حكم الله باطنا وظاهرا ، بخلاف أحد قولي العالم المتناقضين .
هذا فيمن يتقي الله فيما يقوله ، مع علمه بتقواه وسلوكه الطريق الراشد . وأما أهل الأهواء والخصومات ، فهم مذمومون في مناقضاتهم ؛ لأنهم يتكلمون بغير علم ، ولا حسن قصد لما يجب قصده .
وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان :
أحدهما : لازم قوله الحق . فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه فإن لازم الحق حق ، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره . وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب .
والثاني : لازم قوله الذي ليس بحق . فهذا لا يجب التزامه ، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين ، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه ، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه ؛ لكونه قد قال ما يلزمه ، وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه .
وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب هل هو مذهب أو
ليس بمذهب ؟ هو أجود من إطلاق أحدهما ، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله . وما لا يرضاه فليس قوله . وإن كان متناقضا وهو الفرق بين اللازم الذي يجب التزامه مع لزوم اللازم الذي يجب ترك الملزوم للزومه . فإذا عرف هذا عرف الفرق بين الواجب من المقالات والواقع منها وهذا متوجه في اللوازم التي لم يصرح هو بعدم لزومها .
فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال ، وإلا لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ؛ لكونه ملتزما لرسالته ، فلما لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول وإن كان لازما له : ظهر الفرق بين اللازم الذي لم ينفه واللازم الذي نفاه . ولا يلزم من كونه نص على الحكم نفيه للزوم ما يلزمه ؛ لأنه قد يكون عن اجتهادين في وقتين .
وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء - مع وجود الاختلاف في قول كل منهما : أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد ، وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله ، وإن لم يكن مطابقا ، لكن اعتقادا ليس بيقيني ، كما يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل ، وإن كانا في الباطن قد أخطأ أو كذبا ، وكما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدل الضابط أو باتباع الظاهر ، فيعتقد ما دل عليه ذلك ، وإن لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا . فالاعتقاد المطلوب هو الذي يغلب على الظن مما يؤمر به العباد ، وإن كان قد يكون غير مطابق ، وإن لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط . فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين ، مع قصده للحق واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة - عذر
بما لم يعلمه وهو الخطأ المرفوع عنا ، بخلاف أصحاب الأهواء ، فإنهم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ ويجزمون بما يقولونه بالظن والهوى جزما لا يقبل النقيض ، مع عدم العلم بجزمه . فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده ، لا باطنا ولا ظاهرا ، ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده ، ويجتهدون اجتهادا لم يؤمروا به . فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه ، فكانوا ظالمين ، شبيها بالمغضوب عليهم أو جاهلين ، شبيها بالضالين .
فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق ، وقد سلك طريقه ، وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عنه .
وثم قسم آخر - وهم غالب الناس - وهو أن يكون له هوى ، وله في الأمر الذي قصد إليه شبهة ، فتجتمع الشهوة والشبهة ؛ ولهذا جاء في حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات .
فالمجتهد المحض مغفور له ومأجور ، وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب ، وأما المجتهد الاجتهاد المركب من شبهة وهوى : فهو مسيء . وهم في ذلك على درجات بحسب ما يغلب ، وبحسب الحسنات الماحية .
وأكثر المتأخرين - من المنتسبين إلى فقه أو تصوف - مبتلون بذلك . وهذا القول الذي دلت عليه أصول مالك وأصول أحمد ، وبعض أصول
غيرهما هو أصح الأقوال . وعليه يدل غالب معاملات السلف ولا يستقيم أمر الناس في معاشهم إلا به ، وكل من توسع في تحريم ما يعتقده غررا فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرمه الله ، فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة ، وإما أن يحتال ، وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم ، فما رأينا أحدا التزم مذهبه في تحريم هذه المسائل ، ولا يمكنه ذلك ، ونحن نعلم قطعا أن مفسدة التحريم لا تزول بالحيلة التي يذكرونها . فمن المحال أن يحرم الشارع علينا أمرا نحن محتاجون إليه ، ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها ، وإنما هي من جنس اللعب . ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين : إما ذنوب جوزوا عليها بتضييق في أمورهم ، فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل فلم تزدهم الحيل إلا بلاء ، كما جرى لأصحاب السبت من اليهود ، كما قال تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وهذا الذنب ذنب عملي . وإما مبالغة في التشديد لما اعتقدوا من تحريم الشارع ، فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل وهذا من خطأ الاجتهاد ، وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما أحل له ، وأدى ما وجب عليه . فإن الله لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبدا . فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج ، وإنما بعث نبينا صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة ، فالسبب الأول : هو الظلم . والسبب الثاني : هو عدم العلم . والظلم والجهل هما وصف للإنسان المذكور في قوله : وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا
وأصل هذا : أن الله سبحانه إنما حرم علينا المحرمات من الأعيان ؛ كالدم والميتة ولحم الخنزير أو من التصرفات ؛ كالميسر والربا وما يدخل فيهما بنوع من الغرر وغيره ؛ لما في ذلك من المفاسد التي نبه الله عليها ورسوله بقوله سبحانه : إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فأخبر سبحانه أن الميسر يوقع العداوة والبغضاء ، سواء كان ميسرا بالمال أو باللعب . فإن المغالبة بلا فائدة وأخذ المال بلاحق يوقع في النفوس ذلك ، وكذلك روى فقيه المدينة من الصحابة زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتاعون الثمار فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم ، قال المبتاع : إنه أصاب الثمر الدمان ، أصابه مراض ، أصابه قشام - عاهات يحتجون بها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة ، في ذلك : فإما لا ، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر - كالمشورة ، يشير بها لكثرة خصومتهم - . وذكر خارجة بن زيد بن ثابت : أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر . رواه البخاري تعليقا ، وأبو داود إلى قوله : خصومتهم ، وروى أحمد في [المسند ] عنه قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة فقال : ما هذا ؟ فقيل له : هؤلاء ابتاعوا الثمار يقولون : أصابنا الدمان والقشام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تبايعوها حتى يبدو صلاحها .
فقد أخبر أن سبب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك : ما أفضت إليه من الخصام وهكذا بيوع الغرر ، وقد ثبت نهيه عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها في الصحيحين ، من حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس ، وفي مسلم من حديث أبي هريرة ، وفي حديث أنس تعليله ، ففي الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي ، قيل : وما تزهي ؟ قال : حتى تحمر أو تصفر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ ، وفي رواية : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يزهو ، فقلنا لأنس : ما زهوها ؟ قال : تحمر أو تصفر ، أرأيت إن منع الله الثمرة ، بم تستحل مال أخيك .
قال أبو مسعود الدمشقي : جعل مالك والدراوردي قول أنس : أرأيت إن منع الله الثمرة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، أدرجاه فيه ، ويرون أنه غلط .
فهذا التعليل - سواء كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من كلام أنس - فيه بيان أن في ذلك أكل المال بالباطل ، حيث أخذه في عقد معاوضة بلا عوض مضمون .
وإذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء وأكل الأموال بالباطل فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها ، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل ، لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض ، وإن لم يجز غيره بعوض ، وكما أن اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم يكن فيه منفعة ، فهو باطل ، وإن كان فيه منفعة - وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل ، إلا رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته امرأته فإنهن من الحق صار هذا اللهو حقا .
ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض ، أو أكل مال بالباطل ؛ لأن الغرر فيها يسير كما تقدم ، والحاجة إليها ماسة ، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر ، والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم ، فكيف إذا كانت المفسدة منتفية ؟ ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد البيع على الشجر إلى كمال الصلاح ، أباح الشرع ذلك ، قاله جمهور العلماء ، كما سنقرر قاعدته إن شاء الله تعالى ؛ ولهذا كان مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث : أنها إذا تلفت بعد البيع بجائحة كانت من ضمان البائع ، كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر ابن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ، بم تأخذ مال أخيك بغير حق ؟ ، وفي رواية لمسلم عنه : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح ، والشافعي رضي الله عنه لما لم يبلغه هذا الحديث - وإنما بلغه حديث لسفيان بن عيينة فيه اضطراب - أخذ في ذلك بقول الكوفيين : إنها تكون من ضمان المشتري ؛ لأنه مبيع قد تلف بعد القبض ؛ لأن التخلية بين المشتري وبينه قبض ، وهذا على أصل الكوفيين أمشى ؛ لأن المشتري لا يملك إبقاءه على الشجر ، وإنما موجب العقد عندهم : القبض الناجز بكل حال ، وهو طرد لقياس سنذكر أصله وضعفه ، مع أن مصلحة بني آدم لا تقوم على ذلك ، ومع أني لا أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة صريحة بأن المبيع التالف قبل التمكن من القبض يكون من مال البائع ، ويفسخ العقد بتلفه إلا حديث الجوائح هذا . ولو لم يكن فيه سنة لكان الاعتبار الصحيح يوافقه ، وهو ما نبه عليه
النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟ فإن المشتري للثمرة إنما يتمكن من جذاذها عند كمالها ونضجها ، لا عند العقد ، كما أن المستأجر إنما يتمكن من استيفاء المنفعة شيئا فشيئا ، فتلف الثمرة قبل التمكن من الجذاذ كتلف العين المؤجرة قبل التمكن من استيفاء المنفعة ، وفي الإجارة يتلف من ضمان المؤجر بالاتفاق . فكذلك في البيع .
وأبو حنيفة يفرق بينهما بأن المستأجر لم يملك المنفعة ، وأن المشتري لم يملك الإبقاء ، وهذا الفرق لا يقول به الشافعي وسنذكر أصله .
فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها . وفي لفظ لمسلم ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة ، وفي لفظ لمسلم عنه نهى عن بيع النخل حتى يزهو ، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة ، نهى الباع والمشتري ، وفي [سنن أبي داود] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض .
فمعلوم أن العلة ليست كونه كان معدوما ، فإنه بعد بدو صلاحه وأمنه العاهة يزيد أجزاء لم تكن موجودة وقت العقد ، وليس المقصود الأمن من العاهات النادرة . فإن هذا لا سبيل إليه ، إذ قد يصيبها ما ذكره الله عن أهل الجنة الذين قسموا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلاَ يَسْتَثْنُونَ ومما ذكره في سورة يونس في قوله : حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ
وإنما المقصود : ذهاب العاهة التي يتكرر وجودها ، وهذه إنما تصيب الزرع قبل اشتداد الحب ، وقبل ظهور النضج في الثمر ، إذ العاهة بعد ذلك نادرة بالنسبة إلى ما قبله ، ولأنه لو منع بيعه بعد هذه الغاية لم يكن له وقت يجوز بيعه إلى حين كمال الصلاح . وبيع الثمر على الشجر بعد كمال صلاحه متعذر ؛ لأنه لا يكمل جملة واحدة وإيجاب قطعه على مالكه فيه ضرر مرب على ضرر الغرر .
فتبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مصلحة جواز البيع الذي يحتاج إليه على مفسدة الغرر اليسير ، كما تقتضيه أصول الحكمة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم وعلمها أمته .
ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه ، غير ناظر إلى ما يعارض علته من المانع الراجح أفسد كثيرا من أمر الدين ، وضاق عليه عقله ودينه .
وأيضا : ففي [ صحيح مسلم] عن أبي رافع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا ، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره ، فرجع إليه أبو رافع فقال : لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا ، فقال : أعطه إياه ، إن خيار الناس أحسنهم قضاء .
ففي هذا دليل على جواز الاستسلاف فيما سوى المكيل والموزون من الحيوان ونحوه كما عليه فقهاء الحجاز والحديث ، خلافا لمن قال من الكوفيين لا يجوز ذلك ؛ لأن القرض موجبه رد المثل ، والحيوان ليس بمثلي ، وبناء على أن ما سوى المكيل والموزون لا يثبت في الذمة عوضا
عن مال .
وفيه دليل على أنه يثبت مثل الحيوان تقريبا في الذمة ، كما هو المشهور من مذاهبهم ، خلافا للكوفيين ، ووجه في مذهب أحمد : أنه يثبت بالقيمة . وهذا دليل على أن المعتبر في معرفة المعقود عليه : هو التقريب ، وإلا فيعز وجود حيوان مثل ذلك الحيوان ، لا سيما عند القائلين بأن الحيوان ليس بمثلي ، وأنه مضمون في الغصب والإتلاف بالقيمة .
وأيضا : فقد اختلف الفقهاء في تأجيل الديون إلى الحصاد والجذاذ ، وفيه روايتان عن أحمد . إحداهما : يجوز ؛ كقول مالك ، وحديث جابر الذي في الصحيح يدل عليه .
وأيضا : فقد دل الكتاب في قوله تعالى : لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً والسنة في حديث بروع بنت واشق ، وإجماع العلماء على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق . وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم ، وإذا مات عند فقهاء الحديث ، وأهل الكوفة المتبعين لحديث بروع بنت واشق ، وهو أحد قولي الشافعي . وهو معلوم أن مهر المثل متقارب لا محدود ، فلو كان التحديد معتبرا في المهر ما جاز النكاح بدونه ، وكما رواه أحمد في [المسند] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ، وعن بيع اللمس والنجش وإلقاء الحجر فمضت الشريعة بجواز النكاح قبل فرض المهر ، وأن الإجارة لا تجوز إلا مع تبيين الأجر ، فدل
على الفرق بينهما .
وسببه أن المعقود عليه في النكاح - وهو منافع البضع - غير محدودة ، بل المرجع فيها إلى العرف ، فكذلك عوضه الآخر ؛ لأن المهر ليس هو المقصود ، وإنما هو نحلة تابعة . فأشبه الثمر التابع للشجر في البيع قبل بدو صلاحه ، وكذلك لما قدم وفد هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم وخيرهم بين السبي وبين المال ، فاختاروا السبي . قال لهم : إني قائم فخاطب الناس ، فقولوا : إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ، ونستشفع بالمسلمين على رسول الله ، وقام فخطب الناس ، فقال : إني قد رددت على هؤلاء سبيهم ، فمن شاء طيب ذلك ، ومن شاء فإنا نعطيه عن كل رأس عشر قلائص من أول ما يفيء الله علينا فهذا معاوضة عن الإعتاق ، كعوض الكتابة بإبل مطلقة في الذمة ، إلى أجل متقارب غير محدود ، وقد روى البخاري عن ابن عمر في حديث خيبر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم ، وغلبهم على الأرض والزرع والنخل ، فصالحوه على أن يجلوا منها ، ولهم ما حملت ركابهم ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة - وهي السلاح - ويخرجون منها . واشترط عليهم أن لا يكتموا ، ولا يغيبوا شيئا ، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد .
فهذا مصالحة على مال متميز غير معلوم . وعن ابن عباس قال : صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألفي حلة : النصف في صفر ، والبقية في رجب ، يؤدونها إلى المسلمين ، وعارية ثلاثين درعا ، وثلاثين فرسا ، وثلاثين بعيرا ، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها ، والمسلمون ، ضامنون لها حتى يردوها عليهم ، إن كان باليمن كيد أو غارة رواه أبو داود .
فهذا مصالحة على ثياب مطلقة معلومة الجنس ، غير موصوفة بصفات السلم ، وكذلك كل عارية خيل وإبل وأنواع من السلاح مطلقة غير موصوفة عند شرط ، قد يكون وقد لا يكون .
فظهر بهذه النصوص أن العوض عما ليس بمال - كالصداق والكتابة والفدية في الخلع والصلح عن القصاص والجزية والصلح مع أهل الحرب - : ليس بواجب أن يعلم ، كما يعلم الثمن والأجرة ، ولا يقاس على بيع الغرر كل عقد على غرر ؛ لأن الأموال إما أنها لا تجب في هذه العقود أو ليست هي المقصود الأعظم منها ، وما ليس هو المقصود إذا وقع فيه غرر لم يفض إلى المفسدة المذكورة في البيع ، بل يكون إيجاب التحديد في ذلك فيه من العسر والحرج المنفي شرعا ما يزيد على ضرر ترك تحديده . ا هـ .


الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////
جلة البحوث الإسلامية
>العدد السابع والثلاثون
>الإصدار : من رجب إلى شوال لسنة 1413هـ
>بحث اللجنة أنواع البيوع التي يستعملها كثير من الناس
>العينة والتورق
الدليل الثاني : على تحريم العينة ما رواه أحمد في مسنده حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة ، واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه : أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - فذكره وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر ، فأما رجال الأول فأئمة مشاهير وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر ، والإسناد الثاني :
يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحيوة كذلك ، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم .
وله طريق ثالث : رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال : لقد أتى علينا زمان ، وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ، ولقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد واتبعوا أذناب البقر أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم وهذا يبين أن للحديث أصلا وأنه محفوظ .
الدليل الثالث : ما تقدم من حديث أنس أنه سئل عن العينة ؟ فقال : " إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله " وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع .
الدليل الرابع : ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله " هذا مما حرم الله ورسوله " . الدليل الخامس : ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن أبي إسحاق عن العالية ، ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية ، يعني جدة إسرائيل - فإنها امرأة أبي إسحاق قالت : ( دخلت على عائشة في نسوة فقالت : ما حاجتكن ؟ فكان أول من سألها أم محبة : فقالت : يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت : نعم ، قالت : فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء ، وإنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقدا ، فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت : بئسما شريت ، وبئسما اشتريت أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب ) وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا ثم إنه سهل عنها فقالت : يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس
مالي فتلت عليها فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ .
فلولا أن عند أم المؤمنين علما لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة وإن استحلال الربا كفر ، وهذا منه ، ولكن زيدا معذور لأنه لم يعلم أن هذا محرم ولهذا قالت " أبلغيه " .
ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد ، فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئا ، وعلى التقديرين لجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد ، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد ، فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد .
ولا يقال : فزيد من الصحابة وقد خالفها ، لأن زيدا لم يقل : هذا حلال ، بل فعله ، وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح لاحتمال سهو أو غفلة أو تأويل أو رجوع ونحوه ، وكثيرا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته ، فإذا نبه له انتبه ، ولا سيما أم ولده ، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها وطلبت الرجوع إلى رأس مالها وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد ، ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك .
فإن قيل : لا نسلم ثبوت الحديث فإن أم ولد زيد مجهولة .
قلنا : أم ولده لم ترو الحديث ، وإنما كانت هي صاحبة القصة ، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي ، وهي من التابعيات ، وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق ، وهو أعلم بها ، وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظها لها ، ولهذا رواها عنها زوجها ميمون ولم ينهها ولا سيما عند من يقول : رواية العدل عن غيره تعديل له ، والكذب لم يكن فاشيا في التابعين فشوه فيمن بعدهم ،
وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتج به .
فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم العينة :
حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة ، وحديث أنس وابن عباس : أنها مما حرم الله ورسوله .
وحديث عائشة هذا والمرسل منها له ما يوافقه ، وقد عمل به بعض الصحابة والسلف وهذه حجة باتفاق الفقهاء .
الدليل السادس : ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا .
وللعلماء في تفسيره قولان :
أحدهما : أن يقول : بعتك بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك ففسره في حديث ابن مسعود قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صفقتين في صفقة ، قال سماك : الرجل يبيع البيع فيقول هو علي نساء بكذا وبنقد بكذا .
وهذا التفسير ضعيف ، فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة ، ولا صفقتين هنا وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين .
والتفسير الثاني : أن يقول : أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره ، وهو مطابق لقوله فله أوكسهما أو الربا فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما وهو مطابق لصفقتين في صفقة ، فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد ، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين ، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا .
فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه - صلى الله عليه وسلم - ، وانطباقه عليها .
ومما يشهد لهذا التفسير : ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي
صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن بيعتين في بيعة و عن سلف وبيع فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلا منهما يؤول إلى الربا ؛ لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا .
ومما يدل على تحريم العينة : حديث ابن مسعود يرفعه لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له .
ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة والشهادة ، لا يشهد بمجرد الربا ولا يكتبه ، ولهذا قرنه بالمحلل والمحلل له حيث أظهر صورة النكاح ولا نكاح ، كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع ولا بيع .
وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل فلعن المعقود له ، والمعين له على ذلك العقد ولعن المحلل والمحلل له فالمحلل له هو الذي يعقد التحليل لأجله والمحلل هو المعين له بإظهار صورة العقد ، كما أن المرابي هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم .
الدليل السابع : ما صح عن ابن عباس أنه قال ( إذا استقمت بنقد ، فبعت بنقد فلا بأس ، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا خير فيه تلك ورق بورق ) رواه سعيد وغيره .
ومعنى كلامه : أنك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا بأس ، فإن ذلك بيع ، المقصود منه السلعة لا الربا .
الدليل الثامن : ما رواه ابن بطة عن الأوزاعي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع يعني العينة .
وهذا - وإن كان مرسلا - فهو صالح للاعتضاد به ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده ويشهد له أيضا : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها .
وقوله أيضا فيما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي ثعلبة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أول دينكم نبوة ورحمة ثم خلافة ورحمة ثم ملك ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض يستحل فيه الحر والحرير والحر - بكسر الحاء وتخفيف الراء - هو الفرج ، فهذا إخبار عن استحلال المحارم ولكنه بتغيير أسمائها وإظهارها في صور تجعل وسيلة إلى استباحتها وهي الربا والخمر والزنا فيسمى كل منها بغير اسمها ، ويستباح بالاسم الذي سمي به وقد وقعت الثلاثة .
وفي قول عائشة ( بئسما شريت ، وبئسما اشتريت ) دليل على بطلان العقدين معا ، وهذا هو الصحيح من المذهب ، لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه .
وفيه قول آخر في المذهب : أن العقد الأول صحيح لأنه تم بأركانه وشروطه ، فطريان الثاني عليه لا يبطله ، وهذا ضعيف فإنه لم يكن مقصودا لذاته وإنما جعله وسيلة إلى الربا ، فهو طريق إلى المحرم فكيف يحكم بصحته ؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب .
فإن قيل : فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة ؟
قلنا : قد نص أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا فهو كمسألة العينة سواء وهي عكسها صورة ، وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدا لكن في إحدى الصورتين : البائع هو الذي اشتغلت ذمته ، وفي الصورة الأخرى : المشتري هو الذي اشتغلت ذمته فلا فرق بينهما .
وقال بعض أصحابنا : يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلة ولا مواطأة بل وقع اتفاقا .
وفرق بينها وبين الصورة الأولى بفرقين :
أحدهما : أن النص ورد فيها فيبقى ما عداها على أصل الجواز .
( الجزء رقم : 37، الصفحة رقم: 50)
والثاني : أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه .
والفرقان ضعيفان ، أما الأول : فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة ، والعينة فعلة من العين النقد قال الشاعر :
أنـــــدان , أم نعتــــان , أم ينــــبري لنــــا فتـى مثـل نصـل السـيف مـيزت مضاربـه ؟

قال الجوزجاني : أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق فيشتري السلعة ويبيعها بالعين الذي احتاج إليها وليست به إلى السلعة حاجة .
وأما الفرق الثاني : فكذلك لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة ، ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى وأنتم لا تعتبرونه .
فإن قيل : فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث هل تسمون ذلك عينة ؟
قيل : هذه مسألة التورق لأن المقصود منها الورق وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة وأطلق عليها اسمها .
وقد اختلف السلف في كراهيتها فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها وكان يقول " التورق آخية الربا " ورخص فيها إياس بن معاوية .
وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان ، وعلل الكراهة في إحداهما بأنه بيع مضطر ، وقد روى أبو داود عن علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المضطر وفي المسند عن علي قال : سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك قال تعالى : وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ويبايع المضطرون وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر وذكر الحديث .
فأحمد - رحمه الله تعالى - أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد لأن الموسر يضن عليه بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم
يبيعها فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة ، وإن باعها من غيره فهي التورق . ومقصوده في الموضعين الثمن ، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه ولا معنى للربا إلا هذا لكنه ربا بسلم لم يحصل له مقصوده إلا بمشقة ولو لم يقصده كان ربا بسهولة .

وللعينة صورة رابعة - وهي أخت صورها - وهي : أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة ونص أحمد على كراهة ذلك فقال : العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة ، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس . وقال أيضا : أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد .
قال ابن عقيل : إنما كره ذلك لمضارعته الربا ، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبا .
وعلله شيخنا ابن تيمية - رحمه الله - بأنه يدخل في بيع المضطر ، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه ، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرا من التجار .
وللعينة صورة خامسة - وهي أقبح صورها وأشدها تحريما - وهي : أن المترابيين يتواطآن على الربا ، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه ثم يبيعه إياه للمربي بثمن مؤجل ، وهو ما اتفقا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئا وهذه تسمى الثلاثية لأنها بين ثلاثة ، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محللا يزعمان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا ، وهو كمحلل النكاح فهذا محلل الربا ، وذلك محلل الفروج ، والله تعالى لا تخفى عليه خافية بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .


الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////
ابحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
>المجلد الرابع
>إصدار : سنة 1421 هـ2001 م
>بحث في البيوع>بيع العينة والتورق
آراء الفقهاء في حكم العينة والتورق مع التوجيه والمناقشة
ابن القيم في تهذيب السنن
(فصل) قال المحرمون للعينة : الدليل على تحريمها من وجوه:
أحدها : أن الله تعالى حرم الربا ، والعينة وسيلة إلى الربا ، بل هي من أقرب وسائله ، والوسيلة إلى الحرام حرام . فهنا مقامان:
أحدهما : بيان كونها وسيلة.
والثاني : بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام.
فأما الأول : فيشهد له به النقل والعرف والنية والقصد ، وحال المتعاقدين:
فأما النقل : فبما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين فقال : دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة.
وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين عن ابن عباس : أنه قال : (اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة).
وفي كتاب أبي محمد النجشي الحافظ عن ابن عباس أنه سئل عن العينة ، يعني : بيع الحريرة ، فقال : إن الله لا يخدع ، هذا مما حرم الله ورسوله .
وفي كتاب الحافظ مطين عن أنس أنه سئل عن العينة- يعني : بيع الحريرة- فقال : إن الله لا يخدع ، هذا مما حرم الله ورسوله .
وقول الصحابي (حرم رسول الله كذا أو أمر بكذا وقضى بكذا وأوجب كذا) في حكم المرفوع اتفاقا عند أهل العلم إلا خلافا شاذا لا يعتد به ولا يؤبه له.
وشبهة المخالف : أنه لعله رواه بالمعنى فظن ما ليس بأمر ، ولا تحريم كذلك ، وهذا فاسد جدا . فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص وقد تلقوها
من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يظن بأحد منهم أن يقدم على قوله : (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حرم أو فرض) إلا بعد سماع ذلك ودلالة اللفظ عليه ، واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية ، بل دونه ، فإن رد قوله : (أمر) ونحوه بهذا الاحتمال ، وجب رد روايته لاحتمال السهو والغلط وإن قبلت روايته : وجب قبول الآخر.
وأما شهادة العرف بذلك : فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير ، بل قد علم الله وعباده من المتبايعين ذلك : قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها ولا غرض لهما فيها بحال . وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول : مائة بمائة وعشرين . وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث ، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه ، بل جيء به لمعنى في غيره . حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن . أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد ؛ لأنهم لا غرض لهم فيها . وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا.
وأما النية والقصد : فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين ، فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما ؛ ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد ثم يحضران تلك السلعة محللا لما حرم الله ورسوله.
وأما المقام الثاني:- وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام- فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول ، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة ، وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك : مخادعة ، كما تقدم.
وقال أيوب السختياني : (يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل ، والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين ، سواء كانت لغوية أو شرعية ، والخداع حرام).
وأيضا فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو من أكبر الكبائر ، فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا وإنما قصده حقيقة الربا.
وأيضا : فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلا ؛ لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين فلا يتصور أن يباح شيء ويحرم ما يفضي إليه ، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما ، والثاني باطل قطعا فيتعين الأول.
وأيضا فإن الشارع إنما حرم الربا ، وجعله من الكبائر ، وتوعد آكله بمحاربة الله ورسوله لما فيه من أعظم الفساد والضرر فكيف يتصور- مع هذا- أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل.
فيا لله العجب ، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة وقلبتها مصلحة بعد أن كانت مفسدة؟
وأيضا : فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين وكان مقصودهم منع حق الفقراء من الثمر المتساقط وقت الحصاد فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة.
ولا يقال : فالعقوبة إنما كانت على رد . الاستثناء وحده لوجهين :
أحدهما : أن العقوبة من جنس العمل ، وترك الاستثناء عقوبته : أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله ، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان فإنها حرمان كالذنب .
الثاني : أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ورتب العقوبة على ذلك ، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءا من العلة .
وعلى التقديرين : يحصل المقصود .
وأيضا : فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الأعمال بالنيات والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم ، ونيته أولى به من ظاهر عمله . وأيضا : فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل وإسناده مما يصححه الترمذي .

وأيضا : فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها ، و"جملوها" يعني : أذابوها وخلطوها . وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر ، وهو الودك وذلك لا يفيد الحل فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدل بتبدل الاسم .
وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة ، وهذا
واضح بحمد الله .
وأيضا : فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم وإنما انتفعوا بثمنه ، فيلزم من وقف مع تنظر العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها : أن لا يحرم ذلك ؛ لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن وإنما حرم عليهم نفس الشحم ، ولما لعنهم على استحلالهم الثمن . وإن لم ينص على تحريمه - دل على أن الواجب النظر إلى المقصود ، وإن اختلفت الوسائل إليه وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين ولا ببدلها .
ونظير هذا : أن يقال : لا تقرب مال اليتيم فتبيعه وتأكل عوضه ، وأن يقال : لا تشرب الخمر فتغير اسمه وتشربه ، وأن يقال : لا تزن بهذه المرأة فتعقد عليها عقد إجارة وتقول إنما أستوفي منافعها وأمثال ذلك .
قالوا : ولهذا الأصل- وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله عليه- أكثر من مائة دليل ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح لما كان مقصوده التحليل لا حقيقة النكاح .
وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانيا ولم ينظروا إلى صورة العقد .
الدليل الثاني على تحريم العينة : ما رواه أحمد في مسنده : حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة ، واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم رواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني ، أن
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 347)
عطاء الخراساني حدثه : أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره ، وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر.
فأما رجال الأول فأئمة مشاهير ، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر .
والإسناد الثاني : يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر ، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحيوة كذلك . وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم .
وله طريق ثالث : رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال : لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم وهذا يبين أن للحديث أصلا وأنه محفوظ .
الدليل الثالث : ما تقدم من حديث أنس أنه سئل عن العينة ؟ فقال : إن الله لا يخدع ، هذا مما حرم الله ورسوله وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع.
الدليل الرابع : ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله : هذا مما حرم الله ورسوله .
الدليل الخامس : ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن أبي إسحاق عن العالية ، ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثني
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 348)
أبو إسحاق عن جدته العالية ، يعني : جدة إسرائيل : فإنها امرأة أبي إسحاق قالت : (دخلت على عائشة في نسوة فقالت : مما حاجتكن ؟ فكان أول من سألها أم محبة ، فقالت : يا أم المؤمنين ، هل تعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت : نعم . قالت : فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء . وأنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقدا . فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت : بئسما شريت ، وبئسما اشتريت ، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب . وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا ، ثم إنه سهل عنها ، فقالت : يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ؟ فتلت عليها: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ
فلولا أن عند أم المؤمنين علما لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد ، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة ، وأن استحلال الربا أكفر ، وهذا منه ولكن زيدا معذور ؛ لأنه لم يعلم أن هذا محرم ؛ ولهذا قالت : (أبلغيه) . ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئا .
وعلى التقديرين : فجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد ، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد . فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد .
ولا يقال : فزيد من الصحابة وقد خالفها ؛ لأن زيدا لم يقل : هذا
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 349)
حلال، بل فعله وفعل المجتهد لا يدل قوله على الصحيح لاحتمال سهو، أو غفلة، أو تأويل، أو رجوع ونحوه، وكثيرا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نبه له انتبه، ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك.
فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث فإن أم ولد زيد مجهولة.
قلنا: أم ولده لم ترو الحديث وإنما كانت هي صاحبة القصة، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق وهو أعلم بها، وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها، بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظهما لها؛ ولهذا رواها عنها زوجها ميمون ولم ينهها ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيا في التابعين فشوه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتج به.
فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم العينة:
حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة:
وحديث أنس وابن عباس : أنها مما حرم الله ورسوله.
وحديث عائشة هذا والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به بعض الصحابة والسلف وهذه حجة باتفاق الفقهاء.
الدليل السادس : ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا .
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 350)
وللعلماء في تفسيره قولان :
أحدهما : أن يقول: بعتك بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة، وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك ففسره في حديث ابن مسعود قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة قال سماك : الرجل يبيع البيع فيقول هو علي نساء بكذا وبنقد بكذا.
وهذا التفسير ضعيف فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة ولا (صفقتين) هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين.
والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره وهو مطابق لقوله: فله أوكسهما أو الربا فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما وهو مطابق لصفقتين في صفقة، فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا.
فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم ، وانطباقه عليها.
ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعتين في بيعة و عن سلف وبيع فجمعه بين هذين العقدين في النهي؛ لأن كلا منهما يئول إلى الربا؛ لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا.
ومما يدل على تحريم العينة : حديث ابن مسعود يرفعه: لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له .
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 351)
ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة والشهادة لا يشهد بمجرد الربا ولا يكتبه، ولهذا أقرنه بالمحلل والمحلل له حيث أظهر صورة النكاح، ولا نكاح كما أظهر الكاتب والشاهد أنه صورة البيع ولا بيع.
وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل، فلعن المعقود له والمعين له على ذلك العقد ولعن المحلل والمحلل له، فالمحلل له: هو الذي يعقد التحليل لأجله، والمحلل: هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي: هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به.
فصلوات الله على من أوتي جوامع الكلم.
الدليل السابع: ما صح عن ابن عباس أنه قال: (إذا استقمت بنقد فبعت بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا خير فيه تلك ورق بورق) رواه سعيد وغيره.
ومعنى كلامه: أنك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا بأس؛ فإن ذلك بيع المقصود منها السلعة لا الربا.
الدليل الثامن : ما رواه ابن بطة عن الأوزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع (يعني: العينة).
وهذا- وإن كان مرسلا- فهو صالح للاعتضاد به ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده.
ويشهد له أيضا: قوله صلى الله عليه وسلم : ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 352)
اسمها .
وقوله أيضا فيما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض يستحل فيه الحر والحرير ، والحر: بكسر الحاء وتخفيف الراء: هو: الفرج، فهذا إخبار عن استحلال المحارم ولكنه بتغيير أسمائها وإظهارها في صورة تجعل وسيلة إلى استباحتها وهي الربا والخمر والزنا فيسمى كل منها بغير اسمها، ويستباح بالاسم الذي سمي به، وقد وقعت الثلاثة.
وفي قول عائشة : (بئسما شريت، وبئسما اشتريت) دليل على بطلان العقدين معا، وهذا هو الصحيح من المذهب؛ لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه.
وفيه قول آخر في المذهب : أن العقد الأول صحيح؛ لأنه تم بأركانه وشروطه، فطريان الثاني عليه لا يبطله، وهذا ضعيف، فإنه لم يكن مقصودا لذاته وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرم فكيف يحكم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب.
فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟
قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة؛ لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي عكسها صورة، وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدا، لكن في إحدى الصورتين: البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي اشتغلت ذمته فلا فرق بينهما.
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 353)
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلة ولا مواطأة، بل وقع اتفاقا.
وفرق بينها وبين الصورة الأولى بفرقين:
أحدهما : أن النص ورد فيها فيبقى ما عداها على أصل الجواز.
والثاني : أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه.
والفرقان ضعيفان: أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة.
والعينة فعلة من العين النقد قال الشاعر:
أنــــدان, أم نعتـــان, أم ينـــبري لنـــا فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه؟

قال الجوزجاني : أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق فيشتري السلعة ويبيعها بالعين التي احتاج إليها وليست به إلى السلعة حاجة.
وأما الفرق الثاني: فكذلك؛ لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى وأنتم لا تعتبرونه.
فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه، بل رجعت إلى ثالث هل تسمون ذلك عينة؟
قيل: هذه مسألة التورق؛ لأن المقصود منها الورق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة، وأطلق عليها اسمها.
وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: (التورق أخية الربا) ورخص فيها إياس بن معاوية .
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 354)
وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنه بيع مضطر، وقد روى أبو داود عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر، وفي [المسند] عن علي قال: (سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وذكر الحديث.
فـ أحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد؛ لأن الموسر يضن عليه بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة، وإن باعها من غيره فهي التورق، ومقصوده في الموضعين: الثمن، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه ولا معنى للربا إلا هذا لكنه ربا بسلم لم يحصل له مقصوده إلا بمشقة ولو لم يقصده كان ربا بسهولة.
وللعينة صورة رابعة- وهي أخت صورها- وهي: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة، ونص أحمد على كراهة ذلك فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس.
وقال أيضا: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد.
قال ابن عقيل : إنما كره ذلك لمضارعته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبا.
وعلله شيخنا ابن تيمية رضي الله عنه بأنه يدخل في بيع المضطر فإن
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 355)
غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرا من التجار.

وللعينة صورة خامسة :- وهي أقبح صورها وأشدها تحريما- وهي: أن المترابيين يتوطآن على الربا، ثم يعمدان إلى الرجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه ثم يبيعه إياه المربي بثمن مؤجل وهو ما اتفقنا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئا، وهذه تسمى: الثلاثية؛ لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية، وفي الثلاثية: قد أدخلا بينهما محللا يزعمان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا، وهو كمحلل النكاح فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
سئل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله عن رجل عليه دين لرجل يحتاج إلى بضاعة أو حيوان ينتفع به أو يتاجر فيه، فيطلبه من إنسان دينا فلم يكن عنده، هل للمطلوب أن يشتريه ثم يبيعه له بثمن إلى أجل؟ وهل له أن يوكله في شرائه ثم يبيعه له بعد ذلك بربح اتفقا عليه قبل الشراء؟
فأجاب : من كان له عليه دين فإن كان موسرا وجب عليه أن يوفيه، وإن كان معسرا وجب إنظاره، ولا يجوز قلبه عليه بمعاملة ولا غيرها، وأما البيع إلى أجل ابتداء فإن كان مقصود المشتري الانتفاع بالسلعة أو التجارة فيها جاز إذا كان على الوجه المباح، وأما إذا كان مقصوده الدراهم فيشتريها بمائة مؤجلة ويبيعها في السوق بسبعين حالة فهذا مذموم منهي عنه في أظهر
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 356)
قولي العلماء، وهذا يسمى: التورق، قال أبو عمر ابن عبد البر : (التورق أخية الربا) .


الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////
مجلة البحوث الإسلامية
العدد السابع
الإصدار : من رجب إلى شوال لسنة 1403هـ
موضوع العدد بحث في البيوع
العينة والتورق
آراء الفقهاء في حكم العينة والتورق
( فصل )
قال المحرمون للعينة : الدليل على تحريمها من وجوه:
أحدهما : أن الله تعالى حرم الربا ، والعينة وسيلة إلى الربا . بل هي من أقرب وسائله ، والوسيلة إلى الحرام حرام . فهنا مقامان .
أحدهما : بيان كونها وسيلة .
والثاني : بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام .
* فأما الأول : فيشهد له به النقل والعرف والنية والقصد ، وحال المتعاقدين .
فأما النقل: فبما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة .
وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين عن ابن عباس : أنه قال "اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة" .
وفي كتاب أبي محمد النجشي الحافظ عن ابن عباس "أنه سئل عن العينة ، يعني بيع الحريرة فقال: إن الله لا يخدع . هذا مما حرم الله ورسوله" .
وفي كتاب الحافظ مطين عن أنس "أنه سئل عن العينة - يعني بيع الحريرة - فقال: إن الله لا يخدع . هذا مما حرم الله ورسوله" .
* وقول الصحابي "حرم رسول الله كذا أو أمر بكذا وقضى بكذا وأوجب كذا" في حكم المرفوع اتفاقًا عند أهل العلم إلا خلافًا شاذًا لا يعتد به ولا يؤبه له .
* وشبهة المخالف : أنه لعله رواه بالمعنى فظن ما ليس بأمر ، ولا تحريم كذلك ، وهذا فاسد جدًا . فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص وقد تلقوها من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يظن بأحد منهم أن يقدم على قوله "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو حرم أو فرض" إلا بعد سماع ذلك ودلالة اللفظ عليه ، واحتمال خلاف هذا
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 40)
كاحتمال الغلط والسهو في الرواية . بل دونه فإن رد قوله "أمر" ونحوه بهذا الاحتمال ، وجب رد روايته لاحتمال السهو والغلط وإن قبلت روايته: وجب قبول الآخر .
* وأما شهادة العرف بذلك : فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير ، بل قد علم الله وعباده من المتبايعين ذلك: قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها ولا غرض لهما فيها بحال . وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول: مائة بمائة وعشرين . وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه ، بل جيء به لمعنى في غيره . حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن . أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردًا للعقد لأنهم لا غرض لهم فيها . وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا .
* وأما النية والقصد : فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين فضلاً عن علم المتعاقدين ونيتهما ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد ثم يحضران تلك السلعة محللا لما حرم الله ورسوله .
* وأما المقام الثاني : - وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام- فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة ، وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك مخادعة ، كما تقدم .
وقال أيوب السختياني : "يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين ، سواء كانت لغوية أو شرعية ، والخداع حرام" .
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 41)
وأيضًا فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو من أكبر الكبائر ، فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا وإنما قصده حقيقة الربا . وأيضًا: فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلاً لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين فلا يتصور أن يباح شيء ويحرم ما يفضي إليه ، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما ، والثاني باطل قطعًا فيتعين الأول .
وأيضًا: فإن الشارع إنما حرم الربا ، وجعله من الكبائر ، وتوعد آكله بمحاربة الله ورسوله لما فيه من أعظم الفساد والضرر فكيف يتصور -مع هذا- أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل .
فيا لله العجب ، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة وقلبتها مصلحة بعد أن كانت مفسدة؟
وأيضًا: فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين وكان مقصودهم منع حق الفقراء من الثمر المتساقط وقت الحصاد فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة .
ولا يقال: فالعقوبة إنما كانت على رد الاستثناء وحده لوجهين:
* أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل ، وترك الاستثناء عقوبته: أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله ، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان فإنها حرمان كالذنب .
* الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ورتب العقوبة على ذلك ، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءًا من العلة .
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 42)
وعلى التقديرين: يحصل المقصود .
وأيضًا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأعمال بالنيات والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم ونيته أولى به من ظاهر عمله . وأيضًا: فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل وإسناده مما يصححه الترمذي .
وأيضًا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها و"جملوها" يعني أذابوها وخلطوها . وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر ، وهو الودك وذلك لا يفيد الحل فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدل بتبدل الاسم .
وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة ، وهذا واضح بحمد الله .
وأيضًا: فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم وإنما انتفعوا بثمنه فيلزم من وقف مع تنظر العقود والألفاظ . دون مقاصدها وحقائقها: أن لا يحرم ذلك . لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن وإنما حرم عليهم نفس الشحم ولما لعنهم على استحلالهم الثمن . وإن لم ينص على تحريمه . دلّ على أن الواجب النظر إلى المقصود ، وإن اختلفت الوسائل إليه وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين ولا ببدلها .
ونظير هذا: أن يقال: لا تقرب مال اليتيم فتبيعه وتأكل عوضه وأن يقال: لا تشرب الخمر فتغير اسمه وتشربه وأن يقال: لا تزن بهذه المرأة فتعقد عليها عقد إجارة وتقول إنما أستوفي منافعها وأمثال ذلك .
قالوا: ولهذا الأصل - وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله عليه -أكثر من مائة دليل وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح لما كان مقصوده التحليل لا حقيقة النكاح .
وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانيا ولم ينظروا إلى صورة العقد .
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 43)
الدليل الثاني:
على تحريم العينة : ما رواه أحمد في مسنده : حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة ، واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم رواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه: أن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكره وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر .
فأما رجال الأول فأئمة مشاهير وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر .
والإسناد الثاني : يبين أن للحديث أصلاً محفوظًا عن ابن عمر فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحيوة كذلك . وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم .
وله طريق ثالث: رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: "لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد واتبعوا أذناب البقر أدخل الله عليهم ذلاًّ لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم وهذا يبين أن للحديث أصلاً وأنه محفوظ .
* الدليل الثالث : ما تقدم من حديث أنس "أنه سئل عن العينة؟ فقال: إن الله لا يخدع ، هذا مما حرم الله ورسوله" وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع .
* الدليل الرابع : ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله "هذا مما حرم الله ورسوله" .
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 44)
* الدليل الخامس : ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن أبي إسحاق عن العالية ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية ، يعني جدة إسرائيل : فإنها امرأة أبي إسحاق قالت: "دخلت على عائشة في نسوة فقالت: ما حاجتكن؟
فكان أول من سألها أم محبة : فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم ؟
قالت: نعم .
قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء . وأنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقدًا .
فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت: بئسما شريت ، وبئسما اشتريت أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب .
وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا ثم أنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي فتلت عليها: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ .
فلولا أن عند أم المؤمنين علمًا لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة وأن استحلال الربا أكفر وهذا منه ولكن زيدًا معذور لأنه لم يعلم أن هذا محرم ولهذا قالت "أبلغيه" .
ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئًا .
وعلى التقديرين: فجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد . فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد .
ولا يقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها لأن زيدًا لم يقل: هذا حلال بل فعله وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح لاحتمال سهو ، أو غفلة ، أو
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 45)
تأويل ، أو رجوع ونحوه وكثيرًا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته . فإذا نبه له انتبه ، ولا سيما أم ولده . فإنها دخلت على عائشة تستفتيها وطلبت الرجوع إلى رأس مالها وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك .
فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث فإن أم ولد زيد مجهولة .
قلنا: أم ولده لم ترو الحديث وإنما كانت هي صاحبة القصة ، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي وهي من التابعيات وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق . وهو أعلم بها ، وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ وأن العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظها لها ولهذا رواها عنها زوجها ميمون ولم ينهها ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له والكذب لم يكن فاشيًا في التابعين فشوه فيمن بعدهم وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتج به .
* فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم العينة:
حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة .
وحديث أنس وابن عباس : أنهما مما حرم الله ورسوله .
وحديث عائشة هذا والمرسل منها له ما يوافقه . وقد عمل به بعض الصحابة والسلف . وهذه حجة باتفاق الفقهاء .
* الدليل السادس : ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا .
* وللعلماء في تفسيره قولان :
أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك ففسره في حديث ابن مسعود قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 46)
صفقتين في صفقة قال سماك : الرجل يبيع البيع فيقول هو عليّ نساء بكذا وينقد بكذا .
وهذا التفسير ضعيف فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة ولا "صفقتين" هنا وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين .
والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره . وهو مطابق لقوله "فله أوكسهما أو الربا" فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربى أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما وهو مطابق لصفقتين في صفقة . فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد ، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين . فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا .
فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم ، وانطباقه عليها .
ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعتين في بيعة " و " عن سلف وبيع فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلا منهما يؤول إلى الربا ، لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا .
ومما يدل على تحريم العينة : حديث ابن مسعود يرفعه: لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له .
ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة والشهادة لا يشهد بمجرد الربا ولا يكتبه . ولهذا أقرنه بالمحلل والمحلل له حيث أظهر صورة النكاح ولا نكاح كما أظهر الكاتب والشاهد أنه صورة البيع ولا بيع وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل فلعن المعقود له والمعين له على ذلك العقد ولعن المحلِّل والمحلَّل له فالمحلَّل له: هو الذي يعقد التحليل لأجله والمحلَّل: هو المعين له بإظهار صورة العقد ، كما أن المرابي: هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به .
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 47)
فصلوات الله على من أوتي جوامع الكلم .
* الدليل السابع : ما صح عن ابن عباس أنه قال: "إذا استقمت بنقد ، فبعت بنقد فلا بأس وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا خير فيه تلك ورق بورق" . رواه سعيد وغيره .
ومعنى كلامه: أنك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا بأس؛ فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا .
* الدليل الثامن : ما رواه ابن بطه عن الأوزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع (يعني العينة) .
وهذا - وإن كان مرسلا - فهو صالح للاعتضاد به ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده .
ويشهد له أيضًا: قوله صلى الله عليه وسلم: ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها .
وقوله أيضًا فيما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أول دينكم نبوة ورحمة ثم خلافة ورحمة ثم ملك ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض يستحل فيه الحر والحرير والحر بكسر الحاء وتخفيف الراء: هو الفرج فهذا إخبار عن استحلال المحارم ولكنه بتغيير أسمائها وإظهارها في صورة تجعل وسيلة إلى استباحتها وهي الربا والخمر والزنا فيسمى كل منها بغير اسمها ، ويستباح بالاسم الذي سمي به وقد وقعت الثلاثة .

وفي قول عائشة : "بئسما شريت ، وبئسما اشتريت" دليل على بطلان العقدين معًا وهذا هو الصحيح من المذهب لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه .

وفيه قول آخر في المذهب: أن العقد الأول صحيح لأنه تم بأركانه وشروطه . فطريان الثاني عليه لا يبطله ، وهذا ضعيف فإنه لم يكن مقصودًا لذاته وإنما
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 48)
جعله وسيلة إلى الربا ، فهو طريق إلى المحرم فكيف يحكم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب .
فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟
قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا فهو كمسألة العينة سواء وهي عكسها صورة وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا لكن في إحدى الصورتين: البائع هو الذي اشتغلت ذمته ، وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي اشتغلت ذمته فلا فرق بينهما .
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلة ولا مواطأة بل وقع اتفاقًا .
وفرق بينهما وبين الصورة الأولى بفرقين:
* أحدهما : أن النص ورد فيها فيبقى ما عداها على أصل الجواز .
* والثاني : أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه .
والفرقان ضعيفان: أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة .
والعينة فعلة من العين النقد قال الشاعر:

أنــــدان , أم نعتــــان , أم ينــــبري لنـــا فتى مثـل نصـل السـيف مـيزت مضاربه؟

قال الجوزجاني : أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق فيشتري السلعة ويبيعها بالعين التي احتاج إليها وليست به إلى السلعة حاجة .
* وأما الفرق الثاني : فكذلك لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى وأنتم لا تعتبرونه .
فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث هل تسمون ذلك عينة؟
قيل: هذه مسألة التورق لأن المقصود منها الورق وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة وأطلق عليها اسمها .
وقد اختلف السلف في كراهيتها فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها وكان يقول "التورق أخية الربا" ورخص فيها إياس بن معاوية .
وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان . وعلل الكراهة في إحدهما بأنه بيع مضطر ، وقد روى أبو داود عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر وفي المسند عن علي قال: سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى: وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ويبايع المضطرون وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وذكر الحديث .
فأحمد -رحمه الله تعالى- أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد لأن الموسر يضن عليه بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة وإن باعها من غيره فهي التورق . ومقصوده في الموضعين: الثمن . فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه ولا معنى للربا إلا هذا لكنه ربا بسلم لم يحصل له مقصوده إلا بمشقة ولو لم يقصده كان ربا بسهولة .
وللعينة صورة رابعة -وهي أخت صورها- وهي: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة ونص أحمد على كراهة ذلك فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس .
وقال أيضًا: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد .
قال ابن عقيل : إنما كره ذلك لمضارعته الربا ، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا .
وعلله شيخنا ابن تيمية رضي الله عنه بأنه يدخل في بيع المضطر فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار .
وللعينة صورة خامسة: -وهي أقبح صورها وأشدها تحريمًا - وهي: أن
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 50)
المترابيين يتواطآن على الربا ، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه ثم يبيعه إياه المربي بثمن مؤجل وهو ما اتفقا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئًا وهذه تسمى الثلاثية لأنها بين ثلاثة وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية ، وفي الثلاثية: قد أدخلا بينهما محللا يزعمان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا ، وهو كمحلل النكاح فهذا محلل الربا ، وذلك محلل الفروج ، والله تعالى لا تخفى عليه خافية بل يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور .
سئل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله عن رجل عليه دين لرجل يحتاج إلى بضاعة أو حيوان ينتفع به أو يتاجر فيه فيطلبه من إنسان دينًا فلم يكن عنده هل للمطلوب أن يشتريه ثم يبيعه له بثمن إلى أجل وهل له أن يوكله في شرائه ثم يبيعه له بعد ذلك بربح اتفقا عليه قبل الشراء؟
فأجاب : من كان له عليه دين فإن كان موسرًا وجب عليه أن يوفيه وإن كان معسرًا وجب إنظاره ولا يجوز قلبه عليه بمعاملة ولا غيرها وأما البيع إلى أجل ابتداء فإن كان مقصود المشتري الانتفاع بالسلعة أو التجارة فيها جاز إذا كان على الوجه المباح وأما إذا كان مقصوده الدراهم فيشتريها بمائة مؤجلة ويبيعها في السوق بسبعين حالة فهذا مذموم منهي عنه في أظهر قولي العلماء وهذا يسمى التورق ، قال أبو عمر بن عبد البر : التورق أخية الربا .

الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
///////////////////////////////////////////////////////////
مجلة البحوث الإسلامية
>العدد السابع
>الإصدار : من رجب إلى شوال لسنة 1403هـ
>موضوع العدد بحث في البيوع>
العينة والتورق
>آراء الفقهاء في حكم العينة والتورق
( فصل )
وفي كل موضع قلنا: لا يجوز له أن يشتري لا يجوز ذلك لوكيله لأنه قائم مقامه ويجوز لغيره من الناس . سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما . لأنه غير البائع ويشتري لنفسه فأشبه الأجنبي .
* قال محمد بن مفلح في الفروع :
ولو باع شيئًا نسيئة أو بثمن لم يقبضه في ظاهر كلامه وذكره القاضي وأصحابه والأكثر ثم اشتراه بأقل مما باعه قال أبو الخطاب والشيخ: نقدًا ولم يقله أحمد والأكثر ، ولو بعد حل أجله . نقله ابن القاسم وسندي بطل الثاني (نص عليه وذكره الأكثر ، لم يجز استحسانًا ، وكذا في كلام القاضي وأصحابه القياس صحة البيع ومرادهم أن القياس خولف لدليل) إلا أن يتغير في نفسه أو يقبض ثمنه أو بغير جنس ثمنه ، وفي الانتصار وجه بعرض اختاره الشيخ أو يشتريه بمثل ثمنه أو من غير مشتريه لا من وكيله .
وسأله المروذي إن وجده مع آخر يبيعه بالسوق أيشتريه بأقل؟
قال: لا ، لعله دفعه ذلك إليه يبيعه وتوقف في رواية مهنى فيما إذا نقص في نفسه وحمله في الخلاف على أن نقصه أقل من النقص الذي اشتراه به فتكون علة المنع باقية ، وهذه مسألة العينة وعند أبي الخطاب يجوز قياسًا ، وكذا في الترغيب لم يجز استحسانًا ، وكذا في كلام القاضي وأصحابه: القياس صحة البيع ، ومرادهم أن
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 35)
القياس خولف لدليل راجح فلا خلاف إذًا في المسألة وذكر شيخنا أنه يصح الأول إذا كان بتاتًا ولا مواطأة وإلا بطلا وأنه قول أحمد (و . م . ) ، ويتوجه أن مراد من أطلق هذا إلا أنه قال (في الانتصار): إذا قصد بالأول الثاني يحرم . وربما قلنا ببطلانه وقال أيضًا يحرم . إذا قصدا أن لا يصحا . وإن سلم فالبيع الأول خلا عن ذريعة الربا . وأجاب عن قول عائشة رضي الله عنها: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت . أنه للتأكيد ، قال أحمد رضي الله عنه فيمن فعلها: لا يعجبني أن يكتب عنه الحديث ، وحمله القاضي وغيره على الورع؛ لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد مع أنه ذكر عن قول عائشة رضي الله عنها أن زيدًا بن أرقم أبطل جهاده أنها أوعدت عليه . ومسائل الخلاف لا يلحق فيها الوعيد وعكس العينة مثلها نقله حرب ونقل أبو داود : يجوز بلا حيلة ونقل المروذي فيمن يبيع الشيء بم يجده يباع أيشتريه بأقل مما باعه بالنقد؟ قال: لا ، ولكن بأكثر لا بأس ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائتين فلا بأس . نص عليه . وهي التورق . وعنه: يكره وحرّمه شيخنا . نقل أبو داود : إن كان لا يريد بيع المتاع الذي يشتريه منك هو فإن كان يريد بيعه فهو العينة وإن باعه منه لم يجز وهي العينة نص عليه .
* قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى :
وسئل : عن الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقل من ذلك الثمن حالا . هل يجوز أم لا؟
فأجاب : أما إذا باع السلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالا فهذه تسمى "مسألة العينة" وهي غير جائزة عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ، وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس بن
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 36)
مالك . فإن ابن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ثم اشتريت بأقل قال: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة .
وأبلغ من ذلك أن ابن عباس قال: إذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم . فبين أنه إذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى أجل فيكون مقصوده دراهم بدراهم والأعمال بالنيات وهذه تسمى "التورق" .
فإن المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها ، وتارة يشتريها ليتجر بها ، فهذان جائزان باتفاق المسلمين . وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ دراهم . فينظر كم تساوي نقدًا ، فيشتريها إلى أجل ثم يبيعها في السوق بنقد . فمقصوده الورق فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء . كما نقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز وهو إحدى الروايتين عن أحمد .
وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها: إني ابتعت من زيد بن أرقم غلامًا إلى العطاء بثمانمائة وبعته منه بستمائة . فقالت عائشة : بئس ما بعت ، وبئس ما اشتريت . أخبري زيدًا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطل . إلا أن يتوب . قالت: أيا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ، فقالت لها عائشة : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ .
وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا وهذا إن تواطآ على أن يبيع ثم يبتاع . فماله إلا الأوكس . وهو الثمن الأقل أو الربا .
وأصل هذا الباب: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس وإن نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيلة فإن له ما نوى والشرط بين الناس ما عدوه شرطًا كما أن البيع ما عدوه بيعًا . والإجارة بينهم ما عدوه إجارة . وكذلك النكاح بينهم ما عدوه نكاحًا فإن الله ذكر البيع والنكاح وغيرهما في كتابه ولم يرد لذلك حد في الشرع ولا له حد في الفقه .
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 37)
والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر وتارة بالعرف كالقبض والتفريق ، وكذلك العقود كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وغير ذلك فما تواطأ الناس على شرطه وتعاقدوا فهذا شرط عند أهل العرف .
وقال رحمه الله في الاختيارات وتحرم مسألة التورق .
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين :
( فصل )
ومن الحيل المحرمة الباطلة التحيل على جواز مسألة العينة مع أنها حيلة في إبطال حيل لتجويز العينة نفسها على الربا وجمهور الأئمة على تحريمها .
وقد ذكر أرباب الحيل لاستباحتها عدة حيل منها: أن يحدث المشتري في السلعة حدثًا ما تنقص به أو تتعيب فحينئذ يجوز لبائعها أن يشتريها بأقل مما باعها ومنها: أن تكون السلعة قابلة للتجزئة فيمسك منها جزءًا ما ويبيعه بقيتها ومنها: أن يضم البائع إلى السلعة سكينًا بما يتفقان عليه من الثمن ومنها: أن يهبها المشتري لولده أو زوجته أو من يثق به فيبيعها الموهوب له من بائعها فإذا قبض الثمن أعطاه للواهب ومنها: أن يبيعه إياها نفسه من غير إحداث شيء ولا هبة لغيره لكن يضم إلى ثمنها خاتمًا من حديد أو منديلاً أو سكينًا ونحو ذلك .
ولا ريب أن العينة على وجهها أسهل من هذا التكلف وأقل مفسدة وإن كان الشارع قد حرم مسألة العينة لمفسدة فيها فإن المفسدة لا تزول بهذه الحيلة ، بل هي بحالها وانضم إليها مفسدة أخرى أعظم منها وهي: مفسدة المكر والخداع واتخاذ أحكام الله هزوا ، وهي أعظم المفسدتين ، وكذلك سائر الحيل لا تزيل المفسدة التي حرم لأجلها ، وإنما يضم إليها مفسدة الخداع والمكر وإن كانت العينة لا مفسدة فيها فلا حاجة إلى الاحتيال عليها ، ثم إن العينة في نفسها من أدنى الحيل إلى الربا فإذا تحيل عليها المحتال صارت حيلا متضاعفة ومفاسد متنوعة والحقيقة والقصد معلومان لله وللملائكة وللمتعاقدين ولمن حضرهما من
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 38)
الناس فليصنع أرباب الحيل ما شاءوا وليسلكوا أية طريق سلكوا فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة فيلدخلوا محلل الربا أو يخرجوه فليس هو المقصود . والمقصود معلوم . والله لا يُخَادَع ولا تروج عليه الحيل ولا تلتبس عليه الأمور .
قال ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن على حديث إذا تبايعتم بالعينة . . .
وفي الباب حديث أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم . فقالت: ياأم المؤمنين ، إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة . وإني ابتعته منه بستمائة نقدًا ، فقالت لها عائشة : بئسما اشتريت ، أخبري زيدًا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلا أن يتوب .
هذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني ، وذكره الشافعي ، وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق ، وقال: لو ثبت فإنما عابت عليها بيعًا إلى العطاء . لأنه أجل غير معلوم .
ثم قال: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة ، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالا .
قال البيهقي : ورواه يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أنفع "أنها دخلت على عائشة مع أم أحمد " .
وقال غيره: هذا الحديث حسن ، ويحتج بمثله ، لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو إسحاق زوجها ويونس ابنها ، ولم يعلم فيها جرح . والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك .
ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة ، ومن دخل معها على عائشة ، وقد صدقها زوجها وابنها وهما من هما ، فالحديث محفوظ .
وقوله في الحديث المتقدم من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا هو منزل على العينة بعينها . قاله شيخنا ، لأنه بيعان في بيع واحد فأوكسهما: الثمن الحال . وإن أخذ بالأكثر وهو المؤجل أخذ بالربا . فالمعينان لا
( الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 39)
ينفكان من أحد الأمرين: أما الأخذ بأوكس الثمنين أو الربا وهذا لا يتنزل إلا على العينة .


الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
////////////////////////////////////////////////
أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
>المجلد الرابع
>إصدار : سنة 1421 هـ>2001
>بحث في البيوع
>بيع العينة والتورق
>آراء الفقهاء في حكم العينة والتورق مع التوجيه والمناقشة
>محمد بن مفلح في الفروع
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 336)
قال محمد بن مفلح في [الفروع] :
ولو باع شيئا نسيئة أو بثمن لم يقبضه ، في ظاهر كلامه ، وذكره القاضي وأصحابه والأكثر ، ثم اشتراه بأقل مما باعه ، قال أبو الخطاب والشيخ : نقدا ، ولم يقله أحمد والأكثر ، ولو بعد حل أجله ، نقله ابن القاسم وسندي - بطل الثاني (نص عليه وذكره الأكثر ، لم يجز استحسانا ، وكذا في كلام القاضي وأصحابه القياس صحة البيع ، ومرادهم أن القياس خولف لدليل) إلا أن يتغير في نفسه ، أو يقبض ثمنه ، أو بغير جنس ثمنه ، وفي الانتصار وجه : بعرض ، اختاره الشيخ ، أو يشتريه بمثل ثمنه ، أو من غير مشتريه ، لا من وكيله.
وسأله المروذي : إن وجده مع آخر يبيعه بالسوق أيشتريه بأقل ؟
قال : لا ، لعله دفعه ذلك إليه يبيعه ، وتوقف في رواية مهنا فيما إذا نقص في نفسه ، وحمله في الخلاف على أن نقصه أقل من النقص الذي اشتراه به ، فتكون علة المنع باقية ، وهذه مسألة العينة ، وعند أبي الخطاب يجوز قياسا ، وكذا في الترغيب : لم يجز استحسانا ، وكذا في كلام القاضي وأصحابه : القياس صحة البيع ، ومرادهم : أن القياس خولف لدليل راجح ، فلا خلاف إذا في المسألة ، وذكر شيخنا:أنه يصح الأول إذا كان بتاتا ولا مواطأة ، وإلا بطلا ، وأنه قول أحمد (و . م) ويتوجه أن مراد من أطلق هذا ، إلا أنه قال (في الانتصار) : إذا قصدا بالأول الثاني يحرم . وربما قلنا ببطلانه ، وقال أيضا : يحرم . إذا قصدا أن لا يصحا ، وإن سلم فالبيع
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 337)
الأول خلا عن ذريعة الربا.
وأجاب عن قول عائشة رضي الله عنها : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت : أنه للتأكيد ، قال أحمد رضي الله عنه فيمن فعلها : لا يعجبني أن يكتب عنه الحديث ، وحمله القاضي وغيره على الورع ؛ لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد ، مع أنه ذكر عن قول عائشة رضي الله عنها : أن زيد بن أرقم أبطل جهاده ، أنها أوعدت عليه.
ومسائل الخلاف لا يلحق فيها الوعيد ، وعكس العينة مثلها ، نقله حرب ، ونقل أبو داود : يجوز بلا حيلة ، ونقل المروذي فيمن يبيع الشيء ثم يجده يباع أيشتريه بأقل مما باعه بالنقد ؟ قال : لا ، ولكن بأكثر لا بأس ، ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائتين فلا بأس ، نص عليه ، وهي التورق . وعنه : يكره ، وحرمه شيخنا . نقل أبو داود : إن كان لا يريد بيع المتاع الذي يشتريه منك هو أهون ، فإن كان يريد بيعه فهو العينة ، وإن باعه منه لم يجز ، وهي العينة نص عليه.

الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
/////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////
مجلة البحوث الإسلامية
>العدد السابع والثلاثون
>الإصدار : من رجب إلى شوال لسنة 1413ه
ـ>بحث اللجنة أنواع البيوع التي يستعملها كثير من الناس
>العينة والتورق
( مسألة قال : ومن باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به ) وجملة ذلك : أن من باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدا لم يجز في قول أكثر أهل العلم ، روي ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي ، وبه قال أبو الزناد وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي وأجازه الشافعي ، لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها . كما لو باعها بمثل ثمنها .
ولنا : ما روى غندر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل أنها قالت : ( دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة - رضي الله عنها - فقالت أم ولد زيد بن أرقم : إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ، ثم اشتريته منه
( الجزء رقم : 37، الصفحة رقم: 34)
بستمائة درهم فقالت لها : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إلا أن يتوب ) رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور ، والظاهر : أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا بتوقيف سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجرى مجرى روايتها ذلك عنه ، ولأن ذلك ذريعة إلى الربا فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل معلوم ، وكذلك روي عن ابن عباس في مثل هذه المسألة أنه قال : ( أرى مائة بخمسين بينهما حريرة ) يعني خرقة حرير جعلاها في بيعها ، والذرائع معتبرة لما قدمناه ، فأما بيعها بمثل الثمن أو أكثر فيجوز ، لأنه لا يكون ذريعة ، وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع ، فإن نقصت مثل إن هزل العبد أو نسي صناعة أو تخرق الثوب أو بلي جاز له شراؤها بما شاء ، لأن نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا ، وإن نقص سعرها أو زاد لذلك أو لمعنى حدث فيها لم يجز بيعها بأقل من ثمنها كما لو كانت بحالها نص أحمد على هذا كله .
( فصل )
وإن اشتراها بعرض أو كان بيعها الأول بعرض فاشتراها بنقد جاز ، وبه قال أبو حنيفة ولا نعلم فيه خلافا ، لأن التحريم إنما كان لشبهة الربا ، ولا ربا بين الأثمان والعروض ، فأما إن باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر مثل أن يبيعها بمائتي درهم ثم اشتراها بعشر دنانير فقال أصحابنا يجوز لأنهما جنسان لا يحرم التفاضل بينها ، فجاز كما لو اشتراها بعرض أو بمثل الثمن ، وقال أبو حنيفة : ( لا يجوز استحسانا ) . لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية ، ولأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول وهذا أصح إن شاء الله تعالى .
( فصل )
وهذه المسألة تسمى مسألة العينة . قال الشاعر :
أنــــــدان أم نعتـــــان أم ينـــــبري لنـــــا فتـى مثـل نصـل السـيف مـيزت مضاربـه

فقوله " نعتان " أي نشتري عينة مثل ما وصفنا ، وقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا تبايعتم بالعينة
( الجزء رقم : 37، الصفحة رقم: 35)
وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم وهذا وعيد يدل على التحريم . وقد روى عن أحمد أنه قال : العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة ، فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس وقال : ( أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد ) ، وقال ابن عقيل إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا ، فإن الغالب أن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالأجل ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة وللبيع بنسيئة جميعا . لكن البيع بنسيئة ليس بمحرم اتفاقا . ولا يكره إلا أن لا يكون له تجارة وغيره .
( فصل ) وإن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة ، فقال أحمد في رواية حرب : لا يجوز ذلك إلا أن يغير السلعة ، لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا ، فأشبه مسألة العينة ، فإن اشتراها بنقد آخر أو بسلعة أخرى أو بأقل من ثمنها نسيئة جاز . لما ذكرناه في مسألة العينة . ويحتمل أن يجوز له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه ، إلا أن يكون ذلك عن مواطأة أو حيلة فلا يجوز ، وإن وقع ذلك اتفاقا من غير قصد جاز ، لأن الأصل حل البيع ، وإنما حرم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيه وليس هذا في معناه ولأن التوسل بذلك أكثر ، فلا يلتحق به ما في دونه ، والله أعلم .
( فصل ) وفي كل موضع قلنا : لا يجوز له أن يشتري لا يجوز ذلك لوكيله لأنه قائم مقامه ويجوز لغيره من الناس ، سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما لأنه غير البائع ويشتري لنفسه فأشبه الأجنبي .
قال : محمد بن مفلح في الفروع : .
ولو باع شيئا نسيئة أو بثمن لم يقبضه في ظاهر كلامه وذكره القاضي وأصحابه والأكثر ثم اشتراه بأقل مما باعه قال أبو الخطاب والشيخ : نقدا ولم يقله أحمد والأكثر ، ولو بعد حل أجله ، نقله ابن القاسم وسندي بطل
( الجزء رقم : 37، الصفحة رقم: 36)
الثاني ( نص عليه وذكره الأكثر ، لم يجز استحسانا ، وكذا في كلام القاضي وأصحابه القياس صحة البيع ومرادهم أن القياس خولف لدليل ) إلا أن يتغير في نفسه أو يقبض ثمنه أو بغير جنس ثمنه ، وفي الانتصار وجه بعرض اختاره الشيخ أو يشتريه بمثل ثمنه أو من غير مشتريه لا من وكيله وسأله المروزي إن وجده مع آخر يبيعه بالسوق أيشتريه بأقل ؟ قال : لا لعله دفعه ذلك إليه يبيعه ، وتوقف في رواية مهنا فيما إذا نقص في نفسه وحمله وفي الخلاف على أن نقصه أقل من النقص الذي اشتراه به فتكون علة المنع باقية وهذه مسألة العينة ، وعند أبي الخطاب يجوز قياسا وكذا في الترغيب لم يجز استحسانا وكذا في كلام القاضي وأصحابه : القياس صحة البيع ، ومرادهم أن القياس خولف لدليل راجح فلا خلاف إذا في المسألة ، وذكر شيخنا أنه يصح الأول إذا كان بتاتا ولا مواطأة وإلا بطلا ، وأنه قول أحمد (و . م) ويتوجه أن مراد من أطلق هذا إلا أنه قال ( في الانتصار ) إذا قصدا بالأول الثاني يحرم ، وربما قلنا ببطلانه وقال أيضا يحرم ، إذا قصدا أن لا يصحا ، وإن سلم فالبيع الأول خلا عن ذريعة الربا ، وأجاب عن قول عائشة - رضي الله عنها - : ( بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ) . أنه للتأكيد قال أحمد - رضي الله عنه - فيمن فعلها : لا يعجبني أن يكتب عنه الحديث وحمله القاضي وغيره على الورع لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد مع أنه ذكر عن قول عائشة - رضي الله عنها - أن زيد بن أرقم أبطل جهاده أنها أوعدت عليه ، ومسائل الخلاف لا يلحق فيها الوعيد وعكس العينة مثلها نقله حرب ونقل أبو داود : يجوز بلا حيلة ونقل المروزي فيمن يبيع الشيء ثم يجده يباع أيشتريه بأقل مما باعه بالنقد ؟ قال : لا ولكن بأكثر لا بأس ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائتين فلا بأس ، نص عليه ، وهي التورق ، وعنه : يكره وحرمه شيخنا نقل أبو داود : إن كان لا يريد بيع المتاع الذي يشتريه منك هو أهون فإن كان يريد بيعه فهو العينة وإن باعه منه لم يجز وهي
( الجزء رقم : 37، الصفحة رقم: 37)
العينة نص عليه .
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى : .
وسئل عن الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقل من ذلك الثمن حالا ، هل يجوز أم لا ؟
فأجاب : أما إذا باع السلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالا فهذه تسمى ( مسألة العينة ) وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس بن مالك . فإن ابن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ثم اشتريت بأقل قال : دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة .
وأبلغ من ذلك أن ابن عباس قال : إذا استقمت بنقد ثم بعت فتلك دراهم بدراهم ، فبين أنه إذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى أجل فيكون مقصوده دراهم والأعمال بالنيات وهذه تسمى " التورق "
فإن المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها ، وتارة يشتريها ليتجر بها . فهذان جائزان باتفاق المسلمين ، وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ دراهم فينظر كم تساوي نقدا ، فيشتريها إلى أجل ثم يبيعها في السوق بنقد ، فمقصوده الورق فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء ، كما نقل ذلك عمر بن عبد العزيز وهي إحدى الروايتين عن أحمد .
وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها : إني ابتعت من زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة وبعته منه بستمائة . فقالت عائشة : ( بئس ما بعت ، وبئس ما اشتريت . أخبري زيدا أن جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطل ، إلا أن يتوب ) . قال : يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ؟ فقالت لها عائشة : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ
وفي السنن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لمن باع بيعتين في بيعة : " فله
( الجزء رقم : 37، الصفحة رقم: 38)
أوكسهما أو الربا وهذا إن تواطآ على أن يبيع ثم يبتاع ، فما له إلا الأوكس ، وهو الثمن الأقل أو الربا .
وأصل هذا الباب : ( أن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس وإن نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيله فإن له ما نوى ، والشرط بين الناس ما عدوه شرطا كما أن البيع ما عدوه بيعا . والإجارة بينهم ما عدوه إجارة . وكذلك النكاح بينهم ما عدوه نكاحا فإن الله ذكر البيع والنكاح وغيرهما في كتابه ولم يرد لذلك حد في الشرع ولا له حد في الفقه .
والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر وتارة بالعرف كالقبض والتفرق . وكذلك العقود كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وغير ذلك ، فما تواطأ الناس على شرطه وتعاقدوا فهذا شرط عند أهل العرف .
وقال رحمه الله في الاختيارات : وتحرم مسألة التورق .

الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
///////////////////////////////////////////////////////
أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
>المجلد الرابع
>إصدار : سنة 1421 هـ
>2001 م>
بحث في البيوع
>بيع العينة والتورق
>آراء الفقهاء في حكم العينة والتورق مع التوجيه والمناقشة>شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى
قال شيخ الإسلام في [مجموع الفتاوى] :
* وسئل عن الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقل من ذلك الثمن حالا . هل يجوز أم لا؟
فأجاب : أما إذا باع السلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالا فهذه تسمى ( مسألة العينة ) وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة و مالك و أحمد وغيرهم ، وهو المأثور عن الصحابة ؛ كعائشة وابن
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 338)
عباس و أنس بن مالك . فإن ابن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ثم اشتريت بأقل فقال : دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة.
وأبلغ من ذلك أن ابن عباس قال : إذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم ، فبين أنه إذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى أجل فيكون مقصوده دراهم بدراهم والأعمال بالنيات وهذه تسمى : ( التورق ).
فإن المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها ، وتارة يشتريها ليتجر بها ، فهذان جائزان باتفاق المسلمين . وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ دراهم . فينظر كم تساوي نقدا ، فيشتريها إلى أجل ثم يبيعها في السوق بنقد . فمقصوده الورق فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء . كما نقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز وهو إحدى الروايتين عن أحمد .
وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها : إني ابتعت من زيد بن أرقم غلاما إلى العطاء بثمانمائة وبعته منه بستمائة . فقالت عائشة : بئس ما بعت ، وبئس ما اشتريت . أخبري زيدا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطل ، إلا أن يتوب : قالت : يا أم المؤمنين ، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ، فقالت لها عائشة : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وفي السنن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا ، وهذا إن تواطآ على أن يبيع ثم يبتاع . فما له إلا الأوكس . وهو
( الجزء رقم : 4، الصفحة رقم: 339)
الثمن الأقل أو الربا.
وأصل هذا الباب : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس ، وإن نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيله فإن له ما نوى ، والشرط بين الناس ما عدوه شرطا كما أن البيع بينهم ما عدوه بيعا . والإجارة بينهم ما عدوه إجارة . وكذلك النكاح بينهم ما عدوه نكاحا ، فإن الله ذكر البيع والنكاح وغيرهما في كتابه ، ولم يرد لذلك حد في الشرع ولا له حد في الفقه.
والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع ؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج ، وتارة باللغة ؛ كالشمس والقمر والبر والبحر ، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق ، وكذلك العقود ؛ كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وذلك ، فما تواطأ الناس على شرطه وتعاقدوا فهذا شرط عند أهل العرف .
وقال رحمه الله في الاختيارات : وتحرم مسألة التورق.

الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
///////////////////////////////////////////////////////////
مجلة البحوث الإسلامية
>العدد الحادي عشر
>الإصدار : من ذو القعدة إلى صفر لسنة 1404هـ 1405هـ
>البحوث
>الربا في ضوء الكتاب والسنة
>خاتمة البحث
خاتمة البحث
نأتي بعد أن فرغنا من كتابة البحث بتوفيق الله إلى الخاتمة فقد عرضنا بعد المقدمة لتعريف الربا لغة وشرعا وأوردنا الآيات القرآنية التي جاءت منتظمة عن الربا مع تفسيرها وقد تحصل من التفسير ما يأتي :
ا- المراد بأكل الربا جميع التصرفات .
2 - تشبيه المرابي بالمصروع .
3 - المحق يشمل ذهاب المال وذهاب بركته .
4 - لا يلحق متعاطي الربا تبعة التعامل به قبل التحريم .
( الجزء رقم : 11، الصفحة رقم: 220)
5 - الترغيب في بذل الصدقات .
6 - الوعيد لمن تعاطى الربا بعد التحريم .
7 - للمرء أن يأخذ رأس ماله بعد التوبة من تعاطي الربا .
8 - الترغيب في إنظار المعسر وإبراء ذمته ، وأردفنا ذلك بمبحث الربا في السنة وإيراد نص ما ورد من الأحاديث مع شرحها ثم بيان حكم الربا في الإسلام وأنه محرم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأساطير العلم بما في ذلك تحريم كل وسيلة تفضي إليه كبيع العينة واستخلصنا من مجموع ذلك ما يأتي :
أ- النهي عن تعاطي الربا بكل الألوان والوسائل .
ب- إنه من الموبقات ومن كبائر الذنوب .
جـ- لعن آكل الربا كل متعاون عليه .
د- معصية الربا تجاوزت الحد في القبح .
هـ- تحريم الاستطالة في عرض المسلم .
و- آكل الربا يعذب في البرزخ وعليه اللعنة ويحال بينه وبين دخول الجنة .
ز- أكلة الربا يحشرون في أسوأ صورة .
ح- تحريم التبايع بالعينة والوعيد عليها .
ط- الوسيلة للحرام محرمة .
ك- لا يحل سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما لم يكن تحت تصرف البائع .
ل- ما تواطأ عليه البائع والمشتري بما يقصدان به دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل فهو ربا محرم سواء كان يبيع ثم يبتاع أو يبيع ويقرض .
ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مضار الربا وحكمة تحريمه ، وأوردنا نقولا عن ذلك من أقوال العلماء القدامى والمعاصرين مبسوطة في الصفحات (18 ، 19) وعقبنا بمبحث أنواع الربا وحكم كل نوع فذكرنا ربا النسيئة وأنه هو الربا الذي كانت تتعامل به الجاهلية الأولى وهو الذي ورد تحريمه بالقرآن ، ثم ربا الفضل وتحريمه جاءت به السنة النبوية سدا
( الجزء رقم : 11، الصفحة رقم: 221)
للذريعة ، وعرضنا لعلة تحريم ربا الفضل واختلاف العلماء فيها ، ثم لنوعية الربا كما أوضحها ابن القيم -يرحمه الله- ثم لبحث التعامل مع البنوك وفيه القرض بالفائدة المشروطة وأنها محرمة ، ثم تناولنا بحث تحريم الربا الاستهلاكي والإنتاجي ورد نظرية تحريم الربا في الماضي وإباحته في الحاضر ، وأردفنا ذلك بالحديث عن وسائل القضاء على الربا وذكرنا أن منها القرض الحسن وإنظار المعسر وإبراء ذمته والتعاون الاجتماعي والصناعي والزراعي وتوزيع أموال الزكاة ، ثم أنهينا البحث بموضوع التورق وأنه مكروه وأوردنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية -يرحمه الله- في هذه المسألة . وأسأل الله أن يأجرني بقدر ما بذلت في هذا البحث من جهد علمي وجسمي ولم أصل فيه إلى الكمال ، وإنما هو إسهام وجهد مقل ، وأن يشمل سبحانه بتوفيقه ابني أسامة على ما أسهم به من تهيئة المراجع المطلوبة للبحث والعون بجهد مشكور وينفع به كل من قرأه مغضيا عما لعله أن يكون فيه من مآخذ - فالكمال لله وحده- ويأجر أيضا كل من تعاون على إشاعته بكل وسيلة خاصة مجلة البحوث بالرياض ورئاسة تحريرها والمشرفين عليها .
وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سبيله وسار على نهجه ، وقد فرغت من وضعه في شهر جمادى الثانية سنة ألف وأربعمائة وأربعة .
والله يوفقنا إلى ما فيه الخير والرشاد ، ، ،

الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
//////////////////////////////////////////////////////////////////////
مجلة البحوث الإسلامية
>العدد العشرون
>الإصدار : من ذو القعدة إلى صفر لسنة 1407هـ 1408هـ>
موضوع العدد التأمين القسم الثاني
>الاستدلال على جواز التأمين بتحقق الضرورة إليه
ن- الاستدلال على الجواز بتحقق الضرورة إليه :
نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في تعريف الضرورة ، ونتبعه ببيان بعض الفقهاء المعاصرين لوجه الاستدلال به .
أما كلام الفقهاء السابقين فقال الجصاص في معرض كلامه على حكم الأكل من الميتة للمضطر : الضرورة هي خوف الضرر بترك الأكل ؛ إما على نفسه أو عضو من أعضائه ، فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضرر في الحال فقد زالت الضرورة .
وقال الزركشي والسيوطي : هي- أي الضرورة- بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب ؛ كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعا أو عريانا لمات أو تلف منه عضو .
وقال ابن قدامة في كلامه على حكم الأكل من الميتة للمضطر : الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل .
وأما كلام الفقهاء المعاصرين في الاستدلال بالضرورة على جواز التأمين ، فقد بينه الأستاذ عبد الرحمن عيسى بقوله : دين الإسلام مبني على أساس اليسر ورفع الحرج والعسر قال الله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .
( الجزء رقم : 20، الصفحة رقم: 85)
وقال تعالى : وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ .
وقد بنى العلماء على ذلك قواعد منها " إذا ضاق الأمر اتسع " و " المشقة تجلب التيسير " و " الضرورات تبيح المحظورات " و " ما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة " .
وقد ناط الفقهاء معرفة المشقة التي تجلب التيسير بالعرف فالرجوع إليه فيما شق على الناس وما لا يشق عليهم أمر لا بد منه .
وقد تبين في التأمين أن حاجة الناس إليه قد اشتدت وعظمت ، وأنه يشق عليهم جدا ألا يمارسوا عمليات التأمين ليدفعوا بها الكوارث الفادحة التي تقضي على الثروات وتخرب الديار ، وإن الاقتصاد الصحيح يحتم على ذوي المتاجر أو المصانع الكبيرة ممارسة عمليات التأمين حفاظا على أموالهم ودفاعا لما قد ينزل بهم من خسائر تبدد ثرواتهم وتخرب العامر من بيوتهم ، كل هذا يحققونه بالتأمين لدى شركات التأمين في مقابلة ما يدفعون لهذه الشركات من مال يتضاءل بجانب ما يجنون من ثمرات مع اطمئنان قلوبهم واستقرارها من جهة المحافظة على ثرواتهم ، وقال أيضا : بالنسبة للتأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة .
قال : كذلك يمكن أن يثبت لهذا التأمين الجواز من ناحية أن الإسلام مبني على أساس اليسر ورفع الحرج والعسر ؛ لأن التأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة قد اشتدت إليه الحاجة وعظمت لما يدرأ من الكوارث وما يخففه منها عن رجال الصناعات والأعمال في المصانع الكبيرة لهذا يشق على الناس في هذه الصناعات والمهن الخطيرة
( الجزء رقم : 20، الصفحة رقم: 86)
أن تمنعه من ممارسة هذا النوع من التأمين الذي تطمئن به أفئدتهم ، وتستقر قلوبهم على أنفسهم كلا وبعضا حتى يؤدوا أعمالهم فيكون جائزا شرعا دفعا للحرج والعسر . انتهى المقصود .
وقال أيضا : أما التأمين ضد الأخطار الشخصية سواء كان تأمينا على الحياة أو على أي جزء من أجزاء الجسم في غير الصناعات والمهن الخطرة فينظر فيه :
فإن كان من نوع التأمين المختلط وهو الذي يجمع بين التأمين والادخار كان جائزا شرعا ؛ لأن فيه تشجيعا على الادخار فهو يحقق الصالح العام من الناحية الاقتصادية بشرط أن يتفق طالب التأمين مع الشركة على عدم استغلال أقساط تأمينه في الربا والكسب الحرام ، حتى تبرأ ذمة المؤمن له من هذه الناحية التي قد تستوجب الحرمة بطريق التسبب . . . .
أما التأمين ضد الأخطار الشخصية في غير الصناعات والمهن الخطيرة إذا كان تأمينا عاديا ، فإنه لا يجوز شرعا ؛ لأنه لا يحقق صالحا عاما ولا يترتب على تركه مشقة يقرر العرف أنها لا تتحمل كما أنه لا تدعو إليه حاجة تتصل بالمصالح العامة .
وقد أجاب عن ذلك الأستاذ الصديق محمد الأمن الضرير بقوله : " والواقع أن الضرورة بالمعنى الذي يقصده الفقهاء لا تتحقق بالنسبة لعقد التأمين ، ولكن مما لا شك فيه أن الناس سيقعون في حرج لو منعنا عقد التأمين بالكلية بعد أن ألفوه وتغلغل في جميع نواحي حياتهما ،
( الجزء رقم : 20، الصفحة رقم: 87)
فالتأمين وإن لم يكن من ضروريات الناس إلا أنه من حاجياتهم التي يترتب على فقدها الضيق والمشقة ، وقد أبيحت كثير من المعاملات التي يقتضي القياس منعها ؛ لأن حاجة الناس تدعو إليها . ورغم كل هذا فإني لا أرى إباحة عقد التأمين بوضعه الحالي ؛ لأنه لا يصح أن نلجأ إلى استخدام الضرورة أو الحاجة إلا إذا لم نجد سبيلا غيرها " .
وقد أجاب الأستاذ أبو زهرة - رحمه الله- عن ذلك ، فقال : ونحن نقر بهذه الوقائع ؛ لأننا لا نحاول إنكار الواقع ولكن لكي نحكم بأن التأمين غير التعاوني أمر ضروري لا بد أن نفرض أنه لا يمكن أن يوجد تأمين سواه ؛ لأن الضرورة لا تكون إلا حيث تستغلق الأمور ويتعين المحرم سبيلا للإنقاذ ، فهذا الذي يبلغ به الجوع أقصاه ولا يجد إلا الخنزير يأكله فإنه يباح له أكله ، ولكن إن وجد طعاما آخر ولكنه دون الخنزير اشتهاء مع أنه طيب حلال لا يعد في حال ضرورة .
والأمر هنا كذلك فإن التأمين الاجتماعي فتح الأبواب ، وإن لم يكن قائما أقمناه ، وإن كان ضيقا وسعناه ، وإذا كان الأفق محدودا وضعنا بين أيدي المفكرين أوسع الآفاق . ويعجبني أن قائدي السيارات في الخرطوم عندما فرض عليهم نظام التأمين كونوا من بينهم جماعة تعاونية تكون هي المؤمنة فيكونون جميعا مستأمنين ومؤمنين حفظ الله لهم إيمانهم ، وبارك لهم في رزقهما ؛ فهلا دعونا العالم الإسلامي إلى إيجاد نظام تعاوني بدل هذا النظام غير التعاوني الذي لا نزال مصرّين على أنه بدعة يهودية .
إنه لا يصح لنا دِينا أن نترك أمرا بيِّنا نيِّرا ضاحيا ، ونسير على أمر إن لم يكن حراما فهو مشتبه فيه ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دع ما يريبك
( الجزء رقم : 20، الصفحة رقم: 88)
إلى ما لا يريبك . ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " دعوا الربا والريبة " .
ومن القائلين بجواز التأمين مطلقا الأستاذ عبد الرزاق السنهوري ، إلا أنه لا يرى الاستدلال على جوازه بما استدل به غيره من قياسه على بعض العقود المعروفة ، وإنما يراه عقدا مستحدثا قائما بذاته ، ونظرا لذلك أوردنا رأيه بدليله بعد كلام المانعين وكلام المجيزين ، وفيما يلي ما برر به رأيه .
الوقوف عند أحد جانبي عقد التأمين وهو جانب العلاقة ما بين المؤمن والمؤمن له بالذات ، دون مجاوزة ذلك إلى الجانب الآخر ، وهو جانب العلاقة ما بين المؤمن ولمجموع المؤمن لهم حيث لا يكون المؤمن إلا وسيطا بينهم ينظم تعاونهم جميعا على مواجهة الخسارة التي تحيق بالقليل منهم ، هو الذي دفع بكثير ممن تصدوا للإفتاء في مشروعية التأمين في الفقه الإسلامي إلى القول بعدم مشروعيته . وتكون فتواهم في هذه الحالة صحيحة ؛ لأنه إذا نظر إلى عقد التأمين من جهة العلاقة ما بين المؤمن والمؤمن له بالذات ، ومن جهة هذه العلاقة وحدها ، لم يَعدُ عقد التأمين أن يكون عقد مقامرة أو رهان كما قدمنا ، ويكون غير مشروع ، لا فحَسْب في الفقه الإسلامي ، بل أيضا في القانون المصري وفي جميع القوانين التي تحرم المقامرة والرهان .
ولكن الجانب الآخر من
( الجزء رقم : 20، الصفحة رقم: 89)
عقد التأمين وهو الجانب الذي يجب الوقوف عنده ؛ لأنه هو الذي يؤصل التأمين ويحدد طبيعته تنظيما دقيقا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعا لخطر واحد ، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارا جسيمة تحقيق بمن نزل الخطر به منهم لولا هذا التعاون .
وشركة التأمين ليست في الواقع من الأمر إلا الوسيط الذي ينظم هذا التعاون على أسس فنية صحيحة ، وهي أسس معقدة في أشد الحاجة إلى جهود شركات ضخمة ، وسنعرض لها فيما يلي : فالتأمين إذن هو تعاون محمود ، تعاون على البر والتقوى : يبر به المتعاونون بعضهم بعضا ويتقون به جميعا شر المخاطر التي تهددهم . فكيف يجوز القول بأنه غير مشروع؟
وقد كثرت الفتاوى الشرعية في التأمين ، بعضها يحله وبعضها يحرمه ، ومن الفتاوى البارزة في تحليله فتوى الأستاذ الإمام محمد عبده في شأن التأمين على الحياة - ثم ذكر فتوى الشيخ محمد عبده وأشار إلى أقوال الأستاذ الزرقا ومناقشة أبي زهرة له وقول برهام محمد عطا الله وأحمد السنوسي وعيسوي أحمد عيسوي ، ثم ذكر رأي المانعين أمثال الشيخ ابن عابدين والشيخ محمد بخيت والشيخ أحمد قراعة والشيخ ابن زهرة والأستاذ أحمد إبراهيم ، ثم قال بعد ذلك :
وفيما قدمناه من هذه الآراء المختلفة نقف عند المسائل الآتية :
(أ) لا تصح التفرقة بين التأمين الاجتماعي والتأمين الفردي ، فكلاهما يقوم على أساس واحد ولا يختلفان إلا في أن الدولة في التأمين الاجتماعي هي التي تقوم بدور المؤمن . فمن قال بجواز التأمين الاجتماعي وجب أن يقول بجواز التأمين الفردي .
(ب) لا يجوز قياس عقد التأمين على عقود أو نظم معروفة في الفقه الإسلامي ، فهو لا يشبه عقد المضاربة في شيء ، ولا هو كفالة ، ولا هو وديعة بأجر ، ولا عقد موالاة ، ولا يدخل في ضمان خطر الطريق ، ولا في الوعد الملزم ، ولا في نظام العواقل إلى آخر ما جاء في التشبيهات .
(ج) وإنما التأمين عقد جديد له مقومات وخصائصه ، وهو ليس بين العقود أو النظم التي عرفها الفقه الإسلامي . ويأخذ عليه المحرمون له أنه مقامرة ، وفيه غرر ، وينطوي على الربا .
(د) أَمَا إن فيه مقامرة ، فقد بينّا أن عقد التأمين بعيد كل البعد عنها . فهو من الناحية الفنية الاقتصادية ليس بمقامرة ، لا بالنسبة إلى المؤمن فهو يأخذ الأقساط من المؤمنين له ، ثم يعيد توزيعها عليهم ولا يعرض نفسه لاحتمال الخسارة أو المكسب بأكثر مما يعرض نفسه أي شخص آخر في تجارة مشروعة ، ولا بالنسبة إلى المؤمن له إذ هو لا يقامر معتمدا على الحظ والمصادفة ، بل على العكس من ذلك تماما يقصد أن يتوقى شر الحظ والمصادفة ، ويتعاون مع غيره من المؤمن له على توزيع أضرار ما يبيته الحظ والمصادفة لهما جميعا ، ولا يجوز أن نسمي التعاون مقامرة .
(هـ) وأما الغرر ، فقد بينا في كتابنا "مصادر الحق في الفقه الإسلامي " أن هناك تطورا ملحوظا في الفقه الإسلامي ، في هذه المسألة ، وأن أكثر المذاهب تطورا فيها هو مذهب مالك .
فقد بين ابن رشد في عبارة جليلة الأصل عند مالك في ذلك فقال : (والأصل عنده أن من الغرر يجوز لموضع الضرورة) " مصادر الحق في الفقه الإسلامي للمؤلف جزء 3 ص (32- 33) .
(و) وأما الربا ، فهذه مسألة لا تقتصر على عقد التأمين ، بل تتناول ضروبا كثيرة التعامل ، وقد بحثناها بحثا مفصلا ، وميزنا بين ربا الجاهلية من جهة وبين ربا النسيئة وربا الفضل من جهة أخرى ، فالأول غير جائز إلا للضرورة ، والثاني غير جائز أيضا إلا للحاجة . فإذا قامت الحاجة في نظام اقتصادي معين إلى دفع فوائد ضرورية على رءوس الأموال ، كان هذا جائزا ما دامت الحاجة قائمة ، وإلا عاد الأمر إلى أصله من عدم الجواز (انظر تفصيل ذلك في مصادر الحق في الفقه الإسلامي للمؤلف جزء ص ( 196 - 277) .
(ز) بقي أن يقال : إن عقد التأمين لا يدخل في العقود المعروفة في الفقه الإسلامي وليس له نظير فيها ، وقد وردت هذه العقود على سبيل الحصر ، فأي عقد جديد لا يستند إليها يكون غير جائز .
وقد سبق لنا أيضا أن بحثنا هذه المسألة ، وقلنا في صددها ما يأتي : " هل العقود في الفقه الإسلامي مذكورة على سبيل الحصر؟ يبدو لأول وهلة أنها كذلك . ففي كتب الفقه لا نجد نظرية عامة للعقد ، بل نجد على النقيض من ذلك عقودا مسماة تأتي عقدا بعد عقد على ترتيب غير منطقي ، ويختلف هذا الترتيب في كتاب عنه في كتاب آخر ، حتى ليظن الباحث أن الفقه الإسلامي لا يعرف إلا هذه العقود المسماة ، وأن أي اتفاق لا يدخل تحت عقد من هذه العقود لا يكون مشروعا . ولكن هذه النظرة إلى الفقه الإسلامي نظرة سطحية ؛ فإن الباحث يلمح من خلال الأحكام التي يقررها الفقهاء في صدد هذه العقود المسماة إنهم يسلمون بإمكان أن يمتزج عقدان أو أكثر من هذه العقود في عقد واحد ،
يجمع بين خصائص العقود التي امتزجت فيه ، بل ويلمح أن هناك قاعدة فقهية مسلمة ، هي أن المسلمين عند شروطهم ، وأن كل اتفاق تتوافر فيه الشروط التي يقررها الفقه الإسلامي يكون عقدا مشروعا . ويكفي أن نشير إلى ما جاء في البدائع في هذا الصدد :
" وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : المسلمون عند شروطهم . فظاهره يقتضي لزوم الوفاء بكل شرط إلا ما خص بدليل ؛ لأنه يقتضي أن يكون كل مسلم عند شرطه ، وإنما يكون كذلك إذا لزمه الوفاء به . وهذا لأن الأصل أن تصرف الإنسان يقع على الوجه الذي أوقعه إذا كان أهلا للتصرف والمحل قابلا وله ولاية عليه ( البدائع جزء 5 ص 259) . ومن ثَم فما ذكره الفقهاء من العقود المسماة ، إنما هي العقود التي يغلب أن يقع بها التعامل في زمنه فإذا استحدثت الحضارة عقودا أخرى توافرت فيها الشروط المقررة فقها كانت عقودا مشروعة (مصادر الحق في الفقه الإسلامي للمؤلف الجزء الأول ص 80- 83) ، ويؤخذ من ذلك أن عقد التأمين لا يجوز القول بعدم مشروعيته من ناحية أنه عقد جديد غير معروف في الفقه الإسلامي ، وإنما قد يتوهم أن يتسرب إليه عدم المشروعية من ناحية الربا أو من ناحية الغرر ، وقد سبق أن نفينا عنه كلا من الناحيتين . اهـ . الرأي الثالث :
رأى بعض العلماء المعاصرين التفصيل بين أنواع التأمين في الحكم
فحرم التأمين على الحياة أو بعض أعضاء الجسم كالحنجرة أو الأصابع ، واستدل على ذلك ببعض ما استدل به المانعون للتأمين التجاري مطلقا من كونه قمارا ، ونوعا من بيوع الغرر ، ومتضمنا بيع دراهم بدراهم مثلا نسيئة مع التفاضل ، وأباح التأمين على السيارات من الحوادث التي تصاب بها وما تصيب به غيرها من الأضرار في النفوس والأموال ، واستدل على ذلك ببعض ما استدل به المجيزون للتأمين التجاري مطلقا من كونه من باب التعاون والوفاء بالعقود ، وقد أمر الله بذلك ، وكون الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم دليل على المنع ، ولم ينهض دليل على منع عقود التأمين ، وقاسه على ضمان الحقوق وضمان المجهود ، ومن كونه مصلحة ولشدة حاجة الناس إليه ، وناقش كل أدلة مخالفيه بما ناقش كل من الفريقين السابقين مخالفه فلذا اكتفت اللجنة بما تقدم من استدلال الفريقين ، ومناقشتها خشية الإطالة بما لا جدوى فيه .
وسلك جماعة في التفصيل طريقا أخرى هي التفريق بين ما كان من عقود التأمين خاليا من الربا فيجوز ، وما كان منها مشتملا على الربا إلا إذا دعت الضرورة إباحة فيرخص فيه مؤقتا حتى تتاح الفرصة للتخلص مما فيه الربا ، وقد تقدم استدلال المانعين وجه اشتمال عقود التأمين على الربا ، ومناقشة المجيزين لذلك فلا نطيل بذكره خشية التكرار .
وتردد بعض العلماء المعاصرين في الحكم على التأمين التجاري بحِلّ وبحُرمة ، ورأى أن هذه المسألة عامة ولها أهمية كبرى فينبغي أن لا تترك لفرد يفتي فيها ، بل يجب على علماء العصر أن يوفروا جهودهم ويكدسوها لبحثها ، وأن يتعاونوا على حل مشاكلها لينتهوا من بحثهم إلى رأي واضح يذهب ببلبلة الأفكار ويقضي على اختلاف الآراء أو يحد من كثرتها ويخفف من شدتها . ومن نظر في هذا لم يجد فيه حكما موافقا
أو مخالفا لما تقدم ، وإنما هو نصيحة لعلماء العصر ومشورة عليهم بما يجب أن يعملوه وإرشاد إلى الطريق التي يجب أن يسلكوها لحل المشكل والوصول إلى نتيجة مرضية .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- قاعدة في المعاقد حلالها وحرامها تتعلق بما سبق من الأدلة رأينا أن نتبعها ما تقدم ؛ لِما تشتمل عليه من زيادة البيان .
قال رحمه الله تعالى : فصل . القاعدة الثانية في المعاقد حلالها وحرامها .
والأصل في ذلك : أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل ، وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ، وذم اليهود على أخذهم الربا ، وقد نهوا عنه ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل في المعاوضات والتبرعات ، وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق .
وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ، ذكرهما الله في كتابه هما : الربا ، والميسر ، فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر سورة البقرة ، وسور آل عمران ، والروم ، والمدثر ، وذم اليهود عليه في سورة النساء ، وذكر تحريم الميسر في سورة المائدة ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما جمعه الله في كتابه ، فنهى صلى الله عليه وسلم بيع الغرر ، كما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه .
والغرر : هو المجهول العاقبة ، فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار ، وذلك أن العبد إذا أبق ، أو الفرس أو البعير إذا شرد ، فإن صاحبه إذا باعه فإنما يبيعه مخاطرة ، فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير ، فإن
حصل له قال البائع : قمرتني ، وأخذت مالي بثمن قليل ، وإن لم يحصل قال المشتري : قمرتني وأخذت الثمن مني بلا عوض ، فيفضي إلى مفسدة الميسر التي هي إيقاع العداوة والبغضاء ، مع ما فيه من أكل المال بالباطل ، الذي هو نوع من الظلم ، ففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء ، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع حبل الحبلة والملاقيح والمضامين ، ومن بيع السنين وبيع الثمر قبل بدُوّ صلاحه ، وبيع الملامسة والمنابذة ونحو ذلك كله من نوع الغرر .
وأما الربا : فتحريمه في القرآن أشد ، ولهذا قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر ، كما خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم ، وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا كما يربي الصدقات ، وكلاهما أمر مجرب عند الناس ، وذلك : أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج ، وإلا فالموسر لا يأخذ ألف حالة بألف ومائتين مؤجلة إذا لم يكن له حاجة لتلك الألف ، وإنما يأخذ المال بمثله وزيادة إلى الأجل من هو محتاج إليه ، فتقع تلك الزيادة ظلما للمحتاج ، بخلاف الميسر ، فإن المظلوم فيه غير معين ، ولا محتاج إلى العقد ، وقد تخلو بعض صوره عن الظلم إذا وجد في المستقبل المبيع على الصفة التي ظناها ، والربا فيه ظلم محقق لمحتاج ، وبهذا كان ضد الصدقة ، فإن الله لم يدع الأغنياء حتى أوجب
عليهم إعطاء الفقراء ، فإن مصلحة الغني والفقير في الدين والدنيا لا تتم إلا بذلك فإذا أربى معه ، فهو بمنزلة من له على رجل دَين فمنعه دينه وظلمه زيادة أخرى ، والغريم محتاج إلى دينه ، فهذا من أشد أنواع الظلم ، ويعظمه لعن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الآخذ ، وموكله وهو المحتاج المعطي للزيادة ، وشاهديه وكاتبه ، لإعانتهم عليه .
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أشياء مما يخفى فيها الفساد ؛ لإفضائها إلى الفساد المحقق ، كما حرم قليل الخمر ؛ لأنه يدعو إلى كثيره مثل ربا الفضل فإن الحكمة فيه قد تخفى ؛ إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف الصفات مثل : كون الدرهم صحيحا ، والدرهمين مكسورين ، أو كون الدرهم مصوغا أو من نقد نافق ونحو ذلك ، ولذلك خفيت حكمة تحريمه على ابن عباس ومعاوية وغيرهما ، فلم يروا به بأسا ، حتى أخبرهم الصحابة الأكابر- كعبادة بن الصامت وابن سعيد وغيرهما- بتحريم النبي صلى الله عليه وسلم لربا الفضل .
وأما الغرر : فإنه ثلاثة أنواع . إما المعدوم ؛ كحبل الحبلة ، وبين السنين ، وإما المعجوز عن تسليمه ؛ كالعبد الآبق ، وإما المجهول المطلق ، أو المعين المجهول جنسه أو قدره ؛ كقوله بعتك عبدا أو بعتك ما في بيتي ، أو بعتك عبيدا . فأما المعين المعلوم جنسه وقدره المجهول نوعه أو صفته ؛ كقوله : بعتك الثوب الذي في كمي ، أو العبد الذي أملكه ونحو ذلك ، ففيه خلاف مشهور ، وتغلب مسألة بيع الأعيان الغائبة ، وعن أحمد فيه ثلاث روايات ، إحداهن : لا يصح بيعه بحال ، كقول الشافعي الجديد ، والثانية : يصح وإن لم يوصف ، وللمشتري الخيار إذا رآه ، كقول أبي حنيفة ، وقد روى عن أحمد : لا خيار له . والثالثة
- وهي المشهور- أنه يصح بالصفة ، ولا يصح بدون الصفة ، كالمطلق الذي في الذمة ، وهو قول مالك .
ومفسدة الغرر أقل من الربا ؛ فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجات منه ، فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار بالجملة ، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس ، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع ، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن ، وإن كان قد نُهي عن بيع الحمل مفردا ، وكذلك اللبن عند الأكثرين وكذلك بيع الثمرة بعد بدُوّ صلاحها ، فإنه يصح مستحق الإبقاء ، كما دلت عليه السنة ، وذهب إليه الجمهور ؛ كمالك والشافعي وأحمد ، وإن كانت الأجزاء التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد .
وجوز النبي صلى الله عليه وسلم إذا باع نخلا قد أبّرت : أن يشترط المبتاع ثمرتها فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها ، لكن على وجه البيع للأصل . فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره .
ولما احتاج الناس إلى العرايا رخص في بيعها بالخرص ، فلم يجوز المفاضلة المتيقنة ، بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة ، وهو قدر النصاب خمسة أوسق أو ما دون النصاب ، على اختلاف القولين للشافعي وأحمد ، وإن كان المشهور عن أحمد ما دون النصاب .
إذا تبين ذلك : فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره ، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال : هو أفقه الناس في البيوع ، كما كان يقال : عطاء أفقه الناس في المناسك وإبراهيم أفقههم في الصلاة ، والحسن أجمع لذلك كله ، ولهذا وافق أحمد كل واحد من
التابعين في أغلب ما فضل فيه لمن استقرأ ذلك في أجوبته ، ولهذا كان أحمد موافقا له في الأغلب . فإنهما يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشديد ؛ لما تقدم من شدة تحريمه وعظم مفسدته ، ويمنعان الاحتيال له بكل طريق ، حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه ، وإن لم تكن حيلة ، وإن كان مالك يبلغ في سد الذرائع ما لا يختلف قول أحمد فيه أو لا يقوله ، لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيل كلها .
وجماع الحيل نوعان : إما أن يضموا إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود ، أو يضموا إلى العقد عقدا ليس بمقصود .
فالأول مسألة " مُدّ عجوة " وضابطها : أن يبيع ربويا بجنسه ، ومعها أو مع أحدهما ما ليس من جنسه ، مثل أن يكون غرضهما بيع فضة بفضة متفاضلا ونحو ذلك فيضم إلى الفضة القليلة عوضا آخر ، حتى يبيع ألف دينار في منديل بألفي دينار .
فمتى كان المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا حرمت مسألة " مد عجوة " بلا خلاف عند مالك وأحمد وغيرهما ، وإنما يسوغ مثل هذا من جوّز الحيل من الكوفيين ، وإن كان قدماء الكوفيين يحرمون هذا . وأمّا إن كان كلاهما مقصودا كمُدّ عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم ، أو مدين أو درهمين ففيه روايتان عن أحمد ، والمنع : قول مالك والشافعي ، والجواز : قول أبي حنيفة ، وهي مسألة اجتهاد .
وأمّا إن كان المقصود من أحد الطرفين غير الجنس الربوي ، كبيع شاة ذات صوف ولبن بصوف أو لبن : فأشهر الروايتين عن أحمد الجواز .
والنوع الثاني من الحيل : أن يضما إلى العقد المحرم عقدا غير
مقصود ، مثل أن يتواطأ على أن يبيعه الذهب بخرزة ، ثم يبتاع الخرز منه بأكثر من ذلك الذهب ، أو يواطئا ثالثا على أن يبيع أحدهما عرضا ، ثم يبيعه المبتاع لمعاملة المرابي ، ثم يبيعه المرابي لصاحبه ، وهي الحيلة المثلثة ، أو يقرن بالقرض محاباة في بيع أو إجارة أو مساقاة ونحو ذلك ، مثل أن يقرضه ألفا ويبيعه سلعة تساوي عشرة بمائتين ، أو يكريه دارا تساوي ثلاثين بخمسة ونحو ذلك .
فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة التي حرم الله من أجلها الربا ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال : لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك . قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وهو من جنس حيل اليهود ، فإنهما إنما استحلوا الربا بالحيل ، ويسمونه المشكند ، وقد لعنهم الله على ذلك .
وقد روى ابن بطة بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها ، وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أدخل فرسا بين فرسين- وهو لا يؤمن أن يسبق- فليس قمارا ، ومن أدخل فرسا بين فرسين- وقد أمن أن يسبق- فهو قمار وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله .
ودلائل تحريم الحيل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة ،
ذكرنا منها نحوا من ثلاثين دليلا فيما كتبناه في ذلك ، وذكرنا ما يحتج به من يجوزها ، كيمين أبي أيوب ، وحديث تمر خيبر ، ومعاريض السلف ، وذكرنا جواب ذلك . ومن ذرائع ذلك : مسألة العينة ، وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل ، ثم يبتاعها منه بأقل من ذلك ، فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين ؛ لأنها حيلة . وقد روى أحمد وأبو داود بإسنادين جيدين عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تبايعتم بالعينة ، واتبعتم أذناب البقر ، وتركتم الجهاد في سبيل الله أرسل الله عليكم ذُلاّ لا يرفعه حتى تراجعوا دينكم ، وإن لم يتواطأ فإنهما يبطلان البيع الثاني ، سدا للذريعة ، ولو كانت عكس مسألة العينة من غير تواطؤ . ففيه روايتان عن أحمد ، وهو أن يبيعه حالا ، ثم يبتاع منه بأكثر مؤجلا ، وأما مع التواطؤ فربا محتال عليه .

ولو كان مقصود المشتري الدرهم وابتاع السلعة إلى أجل ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذا يسمى التورق . ففي كراهته عن أحمد روايتان . والكراهة قول عمر بن عبد العزيز ومالك ، فيما أظن ، بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة ، أو غرضه الانتفاع أو القنية ، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق .
ففي الجملة : أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما مراعين لمقصود الشريعة وأصولها ، وقولهم في ذلك هو الذي يؤثر مثله عن الصحابة ، وتدل عليه معاني الكتاب والسنة .
وأما الغرر : فأشد الناس فيه قولا أبو حنيفة والشافعي ، أما الشافعي : فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من الفقهاء ، مثل الحب والثمر في قشره الذي ليس بصوان كالباقلاء والجوز واللوز في قشره الأخضر ، وكالحب في سنبله ، فإن القول الجديد عنده أن ذلك لا يجوز ، مع أنه قد اشترى في مرض موته باقلاء أخضر ، فخرج ذلك له قولا ، واختاره طائفة من أصحابه كأبي سعيد الإصطخري ، وروي عنه أنه ذكر له : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد فدل على جواز بيعه بعد اشتداده ، وإن كان في سنبله ، فقال : إن صح هذا أخرجته من العام أو كلاما قريبا من هذا ، وكذلك ذكر أنه رجع عن المولى بالمنع .
قال ابن المنذر : جواز ذلك هو قول مالك وأهل المدينة ، وعبيد الله بن الحسن وأهل البصرة وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي . وقال الشافعي مرة : لا يجوز ، ثم بلغه حديث ابن عمر ، فرجع عنه وقال به ، قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا يعدل عن القول به .
وذكر بعض أصحابه قولين . وأن الجواز هو القديم ، حتى منع من بيع الأعيان الغائبة بصفة وغير صفة ، متأولا أن بيع الغائب غرر وإن وصف ، حتى اشترط فيما في الذمة- كدين السلم- من الصفات وضبطها ما لم يشترطه غيره ، ولهذا يتعذر أو يتعسر على الناس المعاملة في العين والدين بمثل هذا القول ، وقاس على بيع الغرر جميع العقود ، من التبرعات والمعاوضات فاشترط في أجرة الأجير وفدية الخلع والكتابة ، وصلح أهل الهدنة ، وجزية أهل الذمة : ما اشترطه في البيع عينا ودينا ، ولم يجوز في ذلك جنسا وقدرا وصفة إلا ما يجوز مثله في البيع ، وإن كانت هذه العقود لا تبطل بفساد أعواضها ، أو يشترط لها شروط أخر .
وأما أبو حنيفة : فإنه يجوز بيع الباقلاء ونحوه في القشرين ، ويجوز إجارة الأجير بطعامه وكسوته ، ويجوز جهالة المهر كجهالة مهر المثل ،
ويجوز بيع الأعيان الغائبة بلا صفة ، مع الخيار ؛ لأنه يرى وقف العقود ، لكنه يحرم المساقاة والمزارعة ونحوهما من المعاملات مطلقا والشافعي يجوز بيع بعض ذلك ، ويحرم أيضا كثيرا من الشروط في البيع والإجارة والنكاح وغير ذلك مما يخالف مطلق العقد .
وأبو حنيفة يجوز بعض ذلك ، ويجوز من الوكالات والشركات ما لا يجوزه الشافعي ، حتى جوز شركة المفاوضة والوكالة بالمجهول المطلق . وقال الشافعي : إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فما أعلم شيئا باطلا .
فبينهما في هذا الباب عموم وخصوص ، لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول أبي حنيفة في ذلك .
وأما مالك : فمذهبه أحسن المذاهب في هذا ، فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة ، أو يقل غرره ، بحيث يحتمل في العقود ، حتى يجوز بيع المقاتي جملة ، وبيع المغيبات في الأرض ، كالجزر والفجل ونحو ذلك .
وأحمد : قريب منه في ذلك ، فإنه يجوز هذه الأشياء ، ويجوز- على المنصوص عنه- أن يكون المهر عبدا مطلقا ، أو عبدا من عبيده ونحو ذلك مما لا يزيد جهالة على مهر المثل ، وإن كان من أصحابه من يجوز المبهم دون المطلق ، كأبي الخطاب ، ومنهم من يوافق الشافعي ، فلا يجوز في المهر وفدية الخلع ونحوهما إلا ما يجوز في المبيع ، وكأبي بكر عبد العزيز ، ويجوز- على المنصوص عنه- في فدية الخلع أكثر من ذلك ، حتى ما يجوز في الوصية وإن لم يجز في المهر ، كقول مالك مع اختلاف في مذهبه ، وليس هذا موضعه ، لكن المنصوص عنه : أنه لا يجوز بيع
المغيب في الأرض ، كالجزر ونحوه إلا إذا قلع ، وقال : هذا الغرر شيء ليس يراه ، كيف يشتريه؟ والمنصوص عنه : أنه لا يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان ونحوه إلا لقطة لقطة ، ولا يباع من المقاتي والمباطخ إلا ما ظهر دون ما بطن ، ولا تباع الرطبة إلا جزة جزة ، كقول أبي حنيفة والشافعي ؛ لأن ذلك غرر ، وهو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، ثم اختلف أصحابه فأكثرهم أطلقوا ذلك في كل مغيب ، كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك ، كقول مالك .
وقال الشيخ أبو محمد : إذا كان مما يقصد فروعه وأصوله ، كالبصل المبيع أخضر ، والكراث والفجل ، أو كان المقصود فروعه . فالأولى جواز بيعه ؛ لأن المقصود منه ظاهر فأشبه الشجر ويدخل ما لم يظهر في البيع تبعا ، وإن كان معظم المقصود منه أصوله لم يجز بيعه في الأرض ؛ لأن الحكم للأغلب ، وإن تساويا لم يجز أيضا ؛ لأن الأصل اعتياد الشرط ، وإنما سقط في الأقل التابع .
وكلام أحمد يحتمل وجهين ، فإن أبا داود قال : قلت لأحمد : بيع الجزر في الأرض؟ قال : لا يجوز بيعه إلا ما قلع منه ، هذا الغرر ، شيء ليس يراه ، كيف يشتريه؟ فعلل بعدم الرؤية .
فقد يقال : إن لم يره كله لم يبع . وقد يقال : رؤية بعض المبيع تكفي إذا دلت على الباقي كرؤية وجه العبد .
وكذلك اختلفوا في المقاتي إذا بيعت بأصولها . كما هو العادة غالبا .
فقال قوم من المتأخرين : يجوز ذلك ؛ لأن بيع أصول الخضروات . كبيع الشجر ، وإذا باع الشجرة وعليها الثمر لم يبد صلاحه جاز . فكذلك هذا . وذكر أن هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي .
وقال المتقدمون : لا يجوز بحال وهو معنى كلامه ومنصوصه . وهو إنما نهى عما يعتاده الناس ، وليست العادة جارية في البطيخ والقثاء والخيار أن يباع دون عروقه ، والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع عنده . فإن المنصوص عنه في رواية الأثرم ، وإبراهيم بن الحارث في الشجر الذي عليه ثمر لم يبد صلاحه أنه إن كان الأصل هو مقصوده الأعظم جاز ، وأما إن كان مقصوده الثمرة فاشترى الأصل معها حيلة لم يجز ، وكذلك إذا اشترى أرضا وفيها زرع أو شجر مثمر لم يبد صلاحه ، فإن كانت الأرض هي المقصود : جاز دخول الثمر والزرع معها تبعا . وإن كان المقصود هو الثمر والزرع ، فاشترى الأرض لذلك لم يجز ، وإذا كان هذا قوله في ثمرة الشجر ، فمعلوم أن المقصود من المقاتي والمباطخ إنما هو الخضروات دون الأصول التي ليس لها إلا قيمة يسيرة بالنسبة إلى الخضر .
وقد خرج ابن عقيل وغيره وجهين :
أحدهما : جواز بيع المغيبات بناء على إحدى الروايتين عنه في بيع ما لم يره . ولا شك أنه ظاهر فإن المنع إنما يكون على قولنا : لا يصح بيع ما لم يره . فإذا صححنا بيع الغائب فهذا من الغائب .
والثاني : أنه يجوز بيعها مطلقا ، كمذهب مالك ، إلحاقا لها بلب الجوز . وهذا القول هو قياس أصول أحمد وغيره لوجهين :
أحدهما : أن أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه ، والمرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة به وهم يقرون بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما يعرفون غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأوكد .
الثاني : أن هذا مما تمس حاجة الناس إلى بيعه . فإنه إذا لم يبع حتى يقلع ، حصل على أصحابه ضرر عظيم . فإنه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة فيه . وإن قلعوه جملة فسد بالقلع فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما في قشره الأخضر .
وأحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة لحاجة المشتري إلى أكل الرطب ، أو البائع إلى أكل الثمر ، فحاجة البائع هنا أوكد بكثير وسنقرر ذلك إن شاء الله .
وكذلك قياس أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث : جواز بيع المقاتي باطنها وظاهرها وإن اشتمل ذلك على بيع معدوم إذا بدا صلاحها ، كما يجوز بالاتفاق إذا بدا صلاح بعض نخله أو شجره أن يباع جميع ثمرها . وإن كان فيها ما لم يصلح بعد .
وغاية ما اعتذروا به عن خروج هذا من القياس أن قالوا : إنه لا يمكن إفراد البيع لذلك من نخلة واحدة ؛ لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت بغيرها في يوم واحد ؛ لأن البسرة تصفر في يومها وهذا بعينه موجود في المقتاة . وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي وأحمد عن بيع المعدوم تبعا بأن ما يحدث من الزيادة في الثمرة بعد العقد ليس بتابع للموجود ، وإنما يكون ذلك للمشتري ؛ لأنه موجود في ملكه .
والجمهور من الطائفتين يعلمون فساد هذا العذر ؛ لأنه يجب على البائع سقي الثمرة ، ويستحق إبقاءها على الشجر بمطلق العقد ، ولو لم يستحق الزيادة بالعقد لما وجب على البائع ما به تؤخذ ، فإن الواجب على البائع بحكم البيع توفية المبيع الذي أوجبه العقد ، لا ما كان من موجبات الملك .
وأيضا : فإن الرواية اختلفت عن أحمد إذا بدا الصلاح في حديقة من الحدائق ؛ هل يجوز بيع جميعها أم لا يباع إلا ما صلح منها؟ على روايتين :
أشهرهما عنه : أنه لا يباع إلا ما بدا صلاحه ، وهي اختيار قدماء أصحابه كأبي بكر وابن شاقلا .
والرواية الثانية : يكون بدو الصلاح في البعض صلاحا للجميع .
وهي اختيار أكثر أصحابه كابن حامد والقاضي ومن تبعهما .
ثم المنصوص عنه في هذه الرواية أنه قال : إذا كان في بستان بعضه بالغ وبعضه غير بالغ : بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ ، فمنهم من فرق بين صلاح القليل والكثير ، كالقاضي أخيرا وأبي حكيم النهرواني ، وأبي البركات وغيرهم ممن قصر الحكم بما إذا غلب الصلاح ، ومنهم من سوى بين الصلاح القليل والكثير ، كأبي الخطاب وجماعات ، وهو قول مالك والشافعي والليث ، وزاد مالك ، فقال : يكون صلاحا لما جاوره من الأقرحة . وحكوا ذلك رواية عن أحمد .
واختلف هؤلاء : هل يكون صلاح النوع- كالبرني من الرطب - صلاحا لسائر أنواع الرطب على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد . أحدهما : المنع ، وهو قول القاضي وابن عقيل وأبي محمد . والثاني : الجواز ، وهو قول أبي الخطاب . وزاد الليث على هؤلاء ، فقال : صلاح الجنس كالتفاح واللوز يكون صلاحا لسائر أجناس الثمار . ومأخذ من جوَّز شيئا من ذلك : أن الحاجة تدعو إلى ذلك . فإن بيع بعض ذلك دون بعض يفضي إلى سوء المشاركة ، واختلاف الأيدي ، وهذه علة من فرق بين البستان الواحد والبساتين ، ومن سوى بينهما ، فإنه قال :
المقصود الأمن من العاهة ، وذلك يحصل بشروع الثمر في الصلاح . ومأخذ من منع ذلك : أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : حتى يبدو صلاحها يقتضي بدو صلاح الجميع .
والغرض من هذه المذاهب : أن من جوَّز بيع البستان من الجنس الواحد لبدو الصلاح في بعضه ، فقياس قوله : جواز بيع المقتاة إذا بدا صلاح بعضها . والمعدوم هنا فيها كالمعدوم من أجزاء الثمرة ، فإن الحاجة تدعو إلى ذلك أكثر ؛ إذ تفريق الأشجار في البيع أيسر من تفريق البطيخات والقثاءات والخيارات ، وتمييز اللقطة عن اللقطة لو لم يشق ، فإنه أمر لا ينضبط . فإن اجتهاد الناس في ذلك متفاوت .
والغرض من هذا : أن أصول أحمد تقتضي موافقة مالك في هذه المسائل ، كما قد يروى عنه في بعض الجوابات أو قد خرجه أصحابه على أصوله وكما أن العالم من الصحابة والتابعين والأئمة كثيرا ما يكون له في المسألة الواحدة قولان في وقتين ، فكذلك يكون له في النوع الواحد من المسائل قولان في وقتين ، فيجيب في بعض أفرادها بجواب في وقت ، ويجيب في بعض الأفراد بجواب آخر في وقت آخر ، وإذا كانت الأفراد مستوية كان له فيها قولان ، فإن لم يكن بينهما فرق يذهب إليه مجتهد ، فقالت طائفة منهم أبو الخطاب : لا يخرج ، وقال الجمهور - كالقاضي أبي يعلى - يخرج الجواب ، إذا لم يكن هو ممن يذهب إلى الفرق كما اقتضته أصوله ، ومن هؤلاء من يخرج الجواب إذا رآهما مستويين ، وإن لم يعلم هل هو ممن يفرق أم لا ، وإن فرق بين بعض الأفراد وبعض مستحضرا لهما ، فإن كان سبب الفرق مأخذا شرعيا كان الفرق قولا له ، وإن كان سبب الفرق مأخذا عاديا أو حسيا ونحو ذلك مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ذلك ، فهذا في الحقيقة
لا يفرق بينهما شرعا ، وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم يعلمه العالم ، فإن العلماء ورثة الأنبياء ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنتم أعلم بأمر دنياكم . فأما ما كان من أمر دينكم فإلي .
وهذا الاختلاف في عين المسألة أو نوعها من العلماء قد يسمى تناقضا أيضا ؛ لأن التناقض اختلاف مقالتين بالنفي والإثبات ، فإذا كان في وقت قد قال : إن هذا حرام . وقال في وقت آخر فيه أو في مثله : إنه ليس بحرام ، أو قال ما يستلزم أنه ليس بحرام ، فقد تناقض قولاه . وهو مصيب في كليهما عند من يقول : كل مجتهد مصيب . وإنه ليس لله في الباطن حكم على المجتهد غير ما اعتقده .
وأما الجمهور الذين يقولون : إن لله حكما في الباطن ، علمه في إحدى المقالتين ، ولم يعلمه في المقالة التي تناقضها ، وعدم علمه به مع اجتهاده مغفور له ، مع ما يثاب عليه من قصده للحق واجتهاده في طلبه ، ولهذا يشبه بعضهم تعارض الاجتهادات من العلماء بالناسخ والمنسوخ في شرائع الأنبياء ، مع الفرق بينهما بأن كل واحد من الناسخ والمنسوخ ثابت بخطاب حكم الله باطنا وظاهرا ، بخلاف أحد قولي العالم المتناقضين .
هذا فيمن يتقي الله فيما يقوله ، مع علمه بتقواه وسلوكه الطريق الراشد . وأما أهل الأهواء والخصومات ، فهم مذمومون في مناقضتهم ؛ لأنهم يتكلمون بغير علم ، ولا حسن قصد لما يجب قصده وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان :
أحدهما : لازم قول الحق . فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه فإن لازم الحق حق ، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره . وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب .

والثاني : لازم قوله الذي ليس بحق . فهذا لا يجب التزامه ؛ إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض ، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين ، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له ، فقد يضاف إليه ، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه ، لكونه قد قال ما يلزمه . وهو لم يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه .


الرابط
http://www.alifta.net/Search/ResultD...stKeyWordFound
نتيجة البحث
كلمة البحث : التورق و العينة
مجال البحث : عام
نوع البحث : كل الكلمات
مستوى التطابق : مطابق
المعروض : 11 - 11
العدد الكلي : 11
عدد الصفحات : 2
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg Logo.jpg‏ (44.8 كيلوبايت, المشاهدات 1)
رد مع اقتباس