[ الشبهة الثانية ]
ومن الشبه التي قد يتعلق بها :
ما جاء في غزوة بدر من نزول النبي-صلى الله عليه و سلم-عند أني ماءٍ من مياه بدر . فقال له الحباب بن المنذر بن عمر بن الجموح : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزله الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال النبي-صلى الله عليه و سلم-: (( بل هو الرأي والحرب والمكيدة ))
فقال : يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل ، فانهض بنا حتى نأتي أدني ماءٍ من القوم فننزله ... فاستحسن النبي-صلى الله عليه و سلم-هذا الرأي ونهض إلى آخر القصة .
ووجه الاستشهاد بها :
أن النبي-صلى الله عليه و سلم- وكل أمر النزول إلى أصحابه ، وأخير أن النزول في مكان دون أخر ليس شرعاً وإنما هو الحرب والمكيدة فدل على أن وسائل الدعوة ليست توقيفية . هكذا قال من أورد هذه الشبهة .
والجواب أن يقال :
أولاً – أن القصة هذه لم تثبت بإسناد صحيح :
فقد رواها ابن إسحاق – كما في (( سيرة ابن هشام )) (2/272 ) – قال فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب .. فذكره وهذا الإسناد ضعيف كما ترى
وقد وصله الحاكم في المستدرك : (3/426 ،427 ) من حديث الحباب
قال الذهبي في (( تلخيصه )) : ( قلت حديث منكر ، وسنده ) هكذا في المطبوع .
قال المحدث الألباني : ( لعله سقط منه : واه ) قال : وفي سنده من لم أعرفه ([61])
وخرجه البيهقي في (( الدلائل )) : ( 3/31-35 ) ، وسنده ضعيف .
وقد رواه الأموي من حديث ابن عباس – كما في (( البداية )) : ( 3/267 ) وفيه الكلبي ، وهو كذاب .
ثانياً – ليس في القصة ما يتمسك به :
فإن العاقل يعلم بالضرورة أن نزول القائد في مكان دون آخر – من زمن النبي-صلى الله عليه و سلم-إلى قيام الساعة ليس أمراً توقيفياً بل لا يتصور توقيفه ذلك .
وقد كان النبي-صلى الله عليه و سلم- يبعث القادة ويعلمهم أحكام الجهاد ، ويوصيهم ولا يعين لهم مكاناً للنزول وهكذا كان خلفاؤه الراشدون ، يبعثون الجيوش ، فلا يجددون لهم مكان نزولٍ
وهذا كما لو سار النبي-صلى الله عليه و سلم- مع طريق في الجهاد فإن مسيره مع هذا الطريق وصف طردي لا يتعلق الحكم به .
ونحن نقول :
أن وسائل الجهاد في سبيل الله تعالى توقيفية لا يجوز لأحد أن يدخل فيها ما لم يكن عليه رسول الله-صلى الله عليه و سلم- وصحابته الكرام .
وهديه-صلى الله عليه و سلم- في الحرب أكمل هدي فما من صغيرة ولا كبيرة في الجهاد إلا وقد ترك لنا النبي -صلى الله عليه و سلم- منها علماً ، عمله من علمه ، وجهله من جهله .
ولذا اشتد نكير السلف على من أحدث شيئاً في أمور القتال والجهاد لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه و سلم-.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى - :
( وأما القتال فالسنة – أيضاً – فيه خفض الصوت ...
وهذه الدقادق ([62]) والأبواق التي تشبه قرن اليهود وناقوس النصارى : لم تكن على عهد الخلفاء الراشدين ، ولا من بعدهم من أمراء المسلمين .
وإنما حدث – في ظني – من جهة بعض ملوك المشرق من أهل فارس ، فإنهم أحدثوا في أحوال الإمارة والقتال أموراً كثيرة ، وانبثت في الأرض لكون ملكهم انتشر حتى ربا في ذلك الصغير ،وهرم فيها الكبير لا يعرفون غير ذلك بل ينكرون أن يتكلم أحد بخلافه ، حتى ظن بعض الناس أن ذلك من إحداث عثمان - رضي الله عنه- .
ولكن ظهر في الأمة ما أخبر به النبي-صلى الله عليه و سلم- ، حيث قال :
(( لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع )).
قالوا : فارس والروم ؟
قال : (( ومن الناس إلا هؤلاء ))
كما قال في الحديث الآخر :
(( لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )) .
قالوا : يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟
قال : (( فمن؟ )) .
وكلا الحديثين في (( الصحيح )9 : أخبر بأنه يكون في الأمة من يتشبه باليهود والنصارى . ويكون فيها من يتشبه بفارس والروم .
ولهذا ظهر في شعائر الجند المقاتلين شعائر الأعاجم من الفرس وغيرهم ، حتى في اللباس وأعمال القتال، والأسماء التي تكون لأسباب الإمرة ...
... إلى أن قال :
لكن المقصود هنا أن هذه الأصوات المحدثة في أمر الجهاد ، وإن ظن أن فيها مصلحة راجحة ، فإن التزام المعروف هو الذي فيه المصلحة الراجحة ، كما في أصوات الذكر .
إذ السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان: أفضل من المتأخرين في كل شيء : من الصلاة وجنسها من الذكر والدعاء وقراءة القرآن واستماعه ، وغير ذلك من الجهاد والإمارة ، وما يتعلق بذلك من أصناف السياسات والعقوبات والمعاملات في إصلاح الأموال وصرفها .
فإن طريق السلف أكمل في كل شيء ، ولكن يفعل المسلم من ذلك ما يقدر عليه ) . اهـ ([63])
* * *
[61] ) التعليق علي (( فقه السيرة )) ( ص 224 ) ، ط : دار القلم .
[62] ) الدقدقة : حكاية أصوات حوافر الدواب في سرعة ترددها ، مثل الطقطقة . قاله في (( اللسان )) ( 2/1402 ) ، ط : دار المعارف بمصر .
[63] ) (( الاستقامة )) ( 1/324-331 ) .
يتبع...